أو لا يكون منه انقطاع كثير إذا كثرت مجادلته، ولكن المجادل: من كان طريقه في الجدل محمودًا )) [1] ، ثم قال: (( وفي الجملة والتفصيل: الأدب معيار العقول ومعاملة الكرام, وسوء الأدب مقطعة للخير ) ) [2] .
ويمكن الاستدلال لذلك بشاهد من القرآن وآخر من السيرة العطرة:
أ_ فمن القرآن الكريم قوله تعالى مخاطبًا موسى وهارون عليهما السلام: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه آية 43_44] .
فهذه الآية تدل على وجوب اللطف واللين من المحاور المسلم عند محاورة غير المسلمين.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (( هذه الآية فيها عبرة عظيمة: وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمِرَ أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين ... ) ) [3] .
ب_ ومن الشواهد من السيرة على ذلك ما ذكره ابن هشام رحمه الله تعالى في قصة إسلام أسيد بن حضير فقد أمر أسعد بن زرارة مصعبَ بن عمير أن يصدق الله تعالى فيه.
قال ابن هشام رحمه الله تعالى: خرج أسعد بن زرارة بمصعب بن عمير يريد به دار بن عبد الأشهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر ... فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك! انطلق الى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا، ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما.
قال فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه، قد جاءك فاصدق الله فيه.
قال مصعب: إن يجلس أكلمه.
قال: فوقف عليهما متشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟! اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره.
(1) شرح الكوكب المنير ص 586.
(2) شرح الكوكب المنير ص 588.
(3) تفسير ابن كثير ج 3:ص 154، وينظر شرح الكوكب المنير 587.