صرَّحُ فقهاؤنا (1) في مواضعَ شتَّى أنَّ الثَّوبَ لا يطهرُ بالدَّلكِ بالأرض، وعليه الأئمَّةُ الباقية، مع أنه قد روى أبو داودَ بإسنادهِ إلى أُمِّ سلمةَ أنَّ امرأةً سألتها فقالت: إنّي امرأةٌ أطيلُ ذيلي وأمشي في المكانِ القذر، فقالت: قال رسولُ الله (3 صلَّى الله عليه وسلم(2) : (يطهِّرُهُ مَا بَعْدَه) (3) .
وروى أيضًا عن امرأةٍ من بني عبدِ الأشهلِ أنها سألت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم فقالت: يا رسولَ الله؛ إنَّ لنا طريقًا إلى المسجدِ منتنةً (4) فكيف نفعلُ إذا مُطرنا؟ قال: (أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ طَيْب، قَالَت: قُلْت: بَلَى، قَالَ: فَهَذِهِ بِهَذِه) (5) .
فالرِّوايتان (6) تدلاَّنِ على طهارةِ الثَّوبِ بالدَّلك، قال بعضُ علمائنا
في تأويلِ الحديثِ الأوّل: أي يطهرُ المكانُ الذي بعدَ المكانِ الأوَّلِ بزوالِ ما تشبَّث بالذَّيلِ من القذرِ يابسًا.
وأقرَّهُ عليٌّ القَارِي (7) في (( شرحِ المشكاة ) )ثم قال: وهذا التَّأويلُ متعيِّنٌ على تقديرِ صحَّةِ الحديث؛ لانعقادِ الإجماعِ على أنَّ الثَّوبَ إذا أصابتهُ نجاسةٌ لا يطهرُ إلاَّ بالغَسلِ بخلافِ الخفّ. انتهى (8) .
(1) ينظر: (( مجمع الأنهر ) ) (1: 59) ، و (( العناية ) ) (1: 197) ، وغيرها.
(2) غير موجودة في الأصل، وأثبتها من (( السنن ) ).
(3) في (( سنن أبي داود ) ) (1: 104) .
(4) في الأصل: (( منتنا ) )، والمثبت من (( السنن ) ).
(5) في (( سنن أبي داود ) ) (1: 104) .
(6) في الأصل: فالروايان.
(7) وهو علي بن سلطان محمد الهَرَويّ القاريّ الحَنَفيّ، أبو الحسن، نور الدين، من مؤلِّفاته: (( فتح باب العناية بشرح النقاية ) )، (( الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة ) )، و (( شرح مسند الإمام ) )، (930 - 1014 هـ) . ينظر: (( الكواكب السائرة ) ) (1: 445 - 446) . (( طرب الأماثل ) ) (ص 515 - 517) . (( الإمام علي القاري ) ) (ص 44) .
(8) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح )) للقاري (1: 356) .