فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 184

وهذه السيرة ترشد المحاور ألا يغفل جانب العلم في حواره؛ لأن من أعظم آفات الحوارِ قِلَّةَ العلم بمادته؛ فقد يحاور المرء بدون علم؛ فإن فعل ذلك عرّض نفسه للإحراج، بل ربما خذل الحق خصوصًا إذا كان الذي أمامه محاورًا بارعًا؛ فلربما أقنع السامعين بفكرة خاطئة، أو شكّكهم بفكرة صحيحة؛ فكم ضاع من حق بسبب سوء العبارة، وقلة العلم، وكم ظهر من باطل بسبب حسن العرض، وجمال المنطق.

في زخرف القول تزيينٌ لباطله ... والحق قد يعتريه سوءُ تعبيرِ

فلا ينبغي لشخص أن يدخل في حوار إلا وقد أحاط به علمًا؛ فالعلم بموضوع الحوار، والعلم بتفاصيله، والتسلح بالحجج والبراهين_سلاح ماضٍ بيد المحاور الناجح؛ إذ يُمَكِّنُهُ من الوقوف على أرض ثابتة، وليس على رمال متحركة؛ فالمستيقن من الحق الذي معه تراه مطمئن الخاطر، آمنًا على مذهبه من صولة الباطل؛ فينطق عن أناة وتَخَيُّرٍ للأقوال الصائبة.

والعرب تقول في أمثالها: =قبل الرمي يراشُ السهم+ أي هَيِّئِ الأمر، وأَعِدّه قبل حاجتك إليه. [1]

أما من لم يكن على بصيرة من رأيه فإنه ينزعج عند الحوار، ويطيش به الجدل، حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام من قبل أن يقيم له وزنًا.

والعرب تقول في أمثالها: =عند النطاح يُغْلَبُ الكبش الأجم+؛ لأنه فعل ذلك من غير عُدَّةٍ هَيَّأَها. [2]

ثم إن حق الإعراض والتخطئة، والتصدي للمحاورة لا يَتَأَتَّى لجاهل في مواجهة عالم، بل ولا يقبل منه.

ومن لايعلم لا يصح له أن يتصدى لمن يعلم، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

ولا يلزم من لديه علم أن يدخل في كل حوار؛ بل ينبغي له أن لا يدخل حوارًا إلا وهو عالم به؛ إذ إن مجرد علمه _ في الأصل _ لا يكفي.

(1) _ الأمثال لأبي عبيد ص 215.

(2) _ الأمثال لأبي عبيد ص 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت