وهذه الآداب من جملة ما كان يأخذ به النبي"في حواراته."
وفيما يلي بيان لتلك الآداب بشيء من البسط.
أولًا: تواضعه"لمحاوريه: فالتواضع للمحاور من أعظم آداب المحاور وأسباب نجاحه، والتعالي على المحاور، والاستخفاف به من أشد آفات الحوار وأسباب إخفاقه؛ فمن الناس من إذا حاور غيره تعالى عليه، وأزرى به، وربما أشعره _ولو من طرف خفي_ أنه أعلى منه رتبة، وأرفع مقامًا."
والتعالي على الآخرين دليل السفه، وآية نقص العقل، وإلا فالكريم العاقل يرفع من شأن الآخرين، ولا يترفع أو يتعالى عليهم.
قال ابن المقفع: =تَحَفَّظْ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطِبْ نفسًا عن كثيرٍ ممما يعرض لك فيه صواب القول والرأي؛ مداراةً؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك التطاول عليهم+. [1]
وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي×: =واحذر غاية الحذر من احتقار من تجالسه من جميع الطبقات، وازدرائه، والاستهزاء به قولًا، أو فعلًا، أو إشارةً أو تصريحًا، أو تعريضًا؛ فإن فيه ثلاثةَ محاذير:
أحدها: التحريم، والإثم على فاعل ذلك.
الثاني: دلالته على حمق صاحبه، وسفاهة عقله، وجهله.
الثالث: أنه باب من أبواب إثارة الشر، والضرر على نفسه+. [2]
ولقد كان النبي"متجافيًا عن هذا الخلق الذميم، بل كان إمام الخاشعين المتواضعين للحق وللخلق."
وجميع حواراته شاهدة بالتواضع، وترك الترفع.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، ومنها ما يلي:
1_ ما جاء في صحيح البخاري عن أنس ابن مالك÷ قال: =إن كانت الأَمَةُ من إماء أهل المدينة لَتَأْخُذُ بيد رسول الله"فتنطلق به حيث شاءت+. [3] "
فهذا الفعل من نبي الأمة وإمامها غاية في التواضع وخفض الجناح. [4]
(1) _ الأدب الصغير والأدب الكبير ص 134.
(2) _ الرياض الناضرة ص 419.
(3) _ البخاري (6072) .
(4) _ انظر الحوار آدابه وضوابطه ليحيى زمزمي ص 165.