فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 184

2_ البعد عن الدخول في النيات: وهذا نتيجة لسلامة المقاصد، وثمرة من ثمرات الإخلاص، ودليل من دلائل حسن النية والعمل؛ لأنه إذا حسن قصد المرء حسنت ظنونه، و:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدَّق ما يعتاده من توهم [1]

وإن من أعظم آفاتِ الحوارِ الدخولَ في نية المحاور، وإلصاقَ التهم به، وحملَ كلامه على أسوأ المحامل، وأخذَه بلازم قوله دون أن يلتزمه، أو أن يقول المحاور لمحاوره: أنت لم ترد بذلك وجه الله، أو أنت سيئ القصد إلى غير ذلك مما يفسد جو الحوار، ويفقده مصداقيته، ويخرجه إلى دائرة المهاترة والمسابة.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ مبرأً من كل نقيصة من ذلك، بعيدًا كل البعد عن سوء الظن، كيف لا، وهو الذي أدبه ربه بقوله _عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ] (الحجرات:12) .

كيف لا وهو القائل: =إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث+ [2] .

ولأمثلة حسن ظنه بمحاوريه كثيرة جدًا، وسيرد نماذج كثيرة منها.

3_ الفرح بظهور الحق على يدِ أي أحد: فذلك دليل الصدق، وأمارة الإخلاص، وسلامة النفس من الحظوظ والأغراض الشخصية؛ لذلك فإن على المحاور أن يكون غايته الوصول إلى الحق سواء جرى ذلك على لسانه، أو على لسان محاوره؛ فإذا ظهر الحق كان ذلك هو المطلوب؛ ذلك أن النفس طُلَعَة تحب الانتصار، وترغب العلو، وتنزع إلى تطلب الشهرة والمديح.

وربما رغبتْ في التشفي، وإظهار الشماتة، ونحو ذلك من المقاصد التي تنافي السلامة والإخلاص؛ فلا تريد _والحالة هذه_ أن يظهر الحق على يد مخالفها فضلًا عن أن تفرح به.

ولم تكن تلك أخلاق رسل الله _عليهم الصلاة والسلام_.

بل كانوا يفرحون بظهور الحق، ويرغبون في الإصلاح، ولم يكن لهم هدف غير ذلك.

(1) _ ديوان المتنبي بشرح العكبري 4/ 135.

(2) _ البخاري (5143 و 6066 و 6724) ومسلم (2563) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت