ومن الأدلة على ذلك قوله _عز وجل_ عن شعيب _عليه السلام_: [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (هود:88) .
والمعنى _كما يقول العلامة الشيخ عبدالرحمن السعدي_: =ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم.
وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي+. [1]
ولقد كان نبينا _عليه الصلاة والسلام_ يفرح في حواراته أيما فرح بظهور الحق على يد أي أحد، ولو كان من أشد الناس مخالفة له.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أجلاها ما جاء في الصحيحين عن عبدالله ابن مسعود÷ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله"فقال: يا محمدُ، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك."
فضحك النبي"حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله": [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) ] (الزمر) [2] .
فهذا الحوار بين النبي"وذلك الحبرِ، وإقرار النبي"كلامَ الحبرِ دليلٌ على سلامة مقاصد النبي"وإنصافه، وقبوله الحق من أي أحد؛ إذ لم يكن مجيء الحق من خصم، أو عدوٍّ مناوئ مسوغًا لأن يرده، بل قَبِله بأحسن ما يكون القبول، حيث ضحك _ عليه الصلاة والسلام_ حتى بدت نواجذه؛ فرحًا، وتصديقًا لقول الحبر، بدليل قراءة الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر [3] ."
(1) _ تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن ص 435.
(2) _ البخاري (4811 و 7414 و 7415 و 7451 و 7513) ومسلم (2786) .
(3) _ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ص 1637.