فانطلق جبريل _عليه السلام_ ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم جاء، فقال: =يا محمد إنك سألتني أي البلدان شر، فقلت لا أدري، وإني سألت ربي _عز وجل_ أي البلدان شر، فقال: أسواقها+ [1] .
فهذا الحديث واضح الدلالة من جهة أن النبي"لم يجب محاوره بل قال: =لا أدري+، ولما جاءه الوحي بالجواب أجاب."
المثال الخامس: ما جاء في حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ أن رسول الله"لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: =إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وفي رواية إلى أن يوحدوا الله؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب+ [2] ."
ففي هذا الحديث دلالة على عظم شأن العلم في المحاور؛ حيث اختار لتلك المهمة أحد أكابر علماء الصحابة وهو معاذ بن جبل÷ الذي هو أعلم الأمة في الحلال والحرام [3] ، وهو الذي يأتي أمام العلماء يوم القيامة برتوة [4] [5] وعلمه _عليه الصلاة والسلام_ أدب الحوار، وأعلمه بحال المدعوين.
فهذه إشارات، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يمكن حصرها.
ومن خلالها يتبين أن العلم من أعظم أصول الحوار، وأقوى أسلحة المحاور.
(1) _ أخرجه أحمد (16790) والحاكم في المستدرك (303) وأبو يعلى (7403) .
(2) _ رواه البخاري (1458 و 496 و 7331) ومسلم (19) .
(3) _ رواه أبو نعيم في الحلية 1/ 328، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5879) .
(4) _ الرتوة: تطلق على عدة معان؛ فتطلق على الخطوة، والدرجة، والمنزلة. انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/ 195، ولسان العرب 14/ 308.
(5) _ رواه أبو نعيم في الحلية 1/ 229، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5880) .