فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 184

وخير ما يستعين به المحاور عند إرادته الحوار في موضوعٍ ما_أن يجمع أطراف الموضوع، ويتصور جميع احتمالاته، ووجوهه، وأن يطلع على ما كتب فيه سواء من المؤيدين أو المعارضين، وأن يكون ذا نظرٍ ثاقبٍ، وخبرة عالية بظروف المكان والزمان، وتطورات العلوم والمعارف، وطبائع النفوس ونزواتها.

وكلما كان أحسن في عرض معلوماته وإثبات أفكاره_ كانت الاستجابة له أدعى وأكبر، مع ملاحظة ألا يكون حشده للمعلومات والأدلةِ لمجرد تقوية رأيه، والانتصار على خصمه.

وإنما يكون ذلك ذريعة لمعرفة الحق، والوصول إليه. [1]

ثم إن في سيرة النبي"في التأني في الحوار، وانتظار الوحي حتى يأتي بالخبرِ والجوابِ عن السؤال، أو النازلة _ درسًا عظيمًا لمن أراد أن يكون صادقًا في حواره، أمينًا في معلوماته؛ فلا يتكلم ولا يجيب إلا بما يعلمه علم اليقين؛ فذلك دليل صدقه، وعنوان أمانته العلمية؛ فالأمانة العلمية زينة العلم، وروحه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم."

وإذا قلَّبت النظر في تراجم رجال العلم رأيت بين العالم الأمين وقرينه غير الأمين بونًا شاسعًا، ترى الأول في مكانة محفوفة بالوقار، وانتفاع الناس منه في ازدياد.

وترى الثاني في منزلة صاغرة، ونفوس أهل العلم منصرفة عن الأخذ منه، أو متباطئة. [2]

فالرجل الذي يكون على جانب من العلم، ولا يتصرف فيه بأمانة حصينة _ يرمقه الناس بازدراء، وتذهب ثقتهم به، فلا يكادون ينتفعون بما يمكنهم أن ينتفعوا به من معلوماته الصحيحة.

ولما كان من المحاورين من هو متصدٍّ لتعليم الناس والإجابة عن أسئلتهم _كان لزامًا عليه أن يأخذ نفسه بالأمانة العلمية؛ فإذا سئل عما يعلم أجاب بكل أمانة ووضوح.

(1) _ انظر في أصول الحوار ص 33_34، والدعوة إلى الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين ص 54_55، وقواعد ومنطلقات في أصول الحوار ورد الشبهات ص 40_41.

(2) _ انظر رسائل الإصلاح للشيخ 1/ 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت