قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله"بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله! أَهْلَك، ولا نعلم إلا خيرًا+ الحديث [1] ، وقد مضى ذكره في موضع سابق."
ولا ريب أن لهذه المشورة أثرها في نفس أسامة ÷ فهو في مقتبل عمره، بل ربما لم يصل إلى الخامسة عشرة، ومع ذلك يستشار في مثل هذا الأمر العظيم.
وفي هذا تربية للشباب، واستثارة لقرائحهم، وزرع للثقة في نفوسهم؛ فلا غرو _إذًا_ أن يكون أسامة من أكابر الصحابة، وأن يكون ذا الرأي السديد، والمواقف العظيمة إبان الفتن التي جاءت بعد ذلك.
5_ ما جاء في حديث عُمَرَ بن أبي سلمة ÷ لما كان صغيرًا، حيث كان في حَجْرِ [2] النبي"وكان يأكل طعامًا معه، وكانت يده تطيش في الصحفة، فقال له النبي": =يا غلام! سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك+ [3] .
فقد ناداه النبي"فاسترعى انتباهه، ثم وجَّهَهُ دون كهر ولا نهر؛ فأفاد عُمَرُ من ذلك الحوار المليء بالحنان، فقال÷: =فما زالت تلك طِعْمَتي بعدُ+ [4] ."
6_ ما جاء من حديث ابن عمر ÷ قال: أخذ رسول الله"بمنكبيَّ فقال: =كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل+ [5] ."
فانظر إلى هذا العطف في هذا الحوار؛ حيث وضع يده على منكبيه؛ ليشعره بالدفء والحنان، ثم أوصاه بتلك الوصايا العظيمة التي استوعبها ابن عمر؛ فكان من أشد الناس اتباعًا للنبي"وكان ÷ يقول: =إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك+ [6] ."
(1) _ رواه البخاري (4750) .
(2) _ في حَجْره: أي في تربيته وتحت نظره.
(3) _ رواه البخاري (5376 و 5377) ومسلم (2022) .
(4) _ رواه البخاري (5376 و 5377) ومسلم (2022) .
(5) _ البخاري (6416) ، وأخرجه الترمذي (2333) .
(6) _ البخاري (6416) .