ومما يدخل فيما ذكرته في أول هذا الضابط من أن (ما قاله بعض السلف في هذا الباب، في ذم شخص أو طائفة، أو جرى عليه عمل جمهورهم مراعاة لأحوال في عصرهم اقتضت أن يحكموا بحكم ما في هذا الباب، لا ينزل منزلة نصوص الشارع العامة المستغرقة لكل ما يصلح دخوله في العموم، وإنما ينظر في ذلك إلى ما اقترن بالحكم من قرائن ويعرض على أدلة الشرع العامة وتلاحظ العلل وتحقيق مقاصد الشريعة ويستخلص الحكم متوافقا مع ذلك كله)
يدخل فيه، هجر المبتدع، فينبغي أن يعلم هنا هجر المبتدع بقطيعته، وكذلك أمر كثير من أئمة السلف بهجر أهل البدع، ومبالغة بعضهم في ذلك، هو أيضا خاضع لظروف في عصرهم، اقتضت أن تكون هذه الوسيلة راجحة المصلحة مؤدية لغرضها وهو إضعاف النمكر، وردع المبتدع عن بدعته غيره عن الوقوع فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقتلهم وكثرتهم، فان المقصود به زجر المهجور، وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فان كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعا، وان كان لا المهجور و غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس انفع من الهجر) مجموع الفتاوى 28/ 206