قال الحافظُ ابنُ رجب رحمة الله تعالى عليه: [أفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُدَ منه، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: {أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم} محمولًا على التطوع المطلق بالصيام، فأمَّا ما قبل رمضان وبعده فإنه يلتحق به في الفضل، كما أنَّ قولَه في تمام الحديث: {وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل} إنما أُريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب عند جمهور العلماء خلافًا لبعض الشافعية والله أعلم] (1)
* سمى النبيُّ صلى الله عليه وسلم المُحرم شهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلاَّ خواصّ مخلوقاته، كما نسب محمدًا وإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ وغيرَهم من الأنبياء- عليهم جميعًا الصلاةُ والسلام- إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته.
ولما كان هذا الشهر مختصًا بإضافته إلى الله تعالى، كان الصيامُ من بين الأعمال مضافًا إلى الله تعالى فإنه له من بين الأعمال ناسَبَ أَنْ يختص هذا الشهرُ المضاف إلى الله بالعمل المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام. اهـ (2)
ولكن حيث ثبت إنه صلواتُ ربي وسلامُه عليه لم يَصُمْ شهرًا كاملًا إلا رمضان، كما ورد في حديث عبد الله بن شقيق العقيلي قال: {سألتُ عائشةَ عن صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان يصوم حتى نقولَ: قد صامَ، قد صامَ، ويُفْطِرُ حتى نقولَ: قد أفطر، قد أفطر، وما رأيتُه صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينةَ، إلا أنْ يكون رمضان} (3)
وفي روايةٍ قالت: {ما علمتُه صام شهرًا كُلَّه إلا رمضانَ، ولا أفطره كُلَّه حتى يَصُومَ منه، حتى مضى لسبيله} (4)
فلا بد من حمل الحديث على الحث والترغيب في الإكثار من التطوع بالصيام في شهر الله المحرم.
1 -انظر لطائف المعارف ص 188 - 189 ... 2 - المصدر السابق ص 43
3 -م ت ن ... 4 - م