واعلم أن للسفر بعد صلاة الجمعة أصل من كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: من الآية 10] . وقد استحسنت ما يفعله أهل الشام من إقامة أسواق البيع بعد صلاة الجمعة [1] . قال سعيد بن جبير:"إذا انصرفت يوم الجمعة فساوم بشيء وإن لم تشتره. وعن ابن سيرين: إنه ليعجبني أن تكون لي حاجة فأقضيها بعد الانصراف". وحكى المحب الطبري عن بعضهم أنه يكره السفر ليلة الجمعة [2] . وهو غريب، ولعله لمن لا يصليها من غده، أو تتعطل الجمعة بغيبته. وحكى الدارمي [3] عن إبراهيم النخعي، السيد الجليل، أنه كان إذا أراد السفر يوم الجمعة سافر غدوة الخميس إلى أن يرتفع النهار~، فإن أقام إلى العشي لم يخرج حتى يصلي الجمعة.
وإن تيسر له مع ذلك كونه عالمًا فليتمسك به، فإنه يمنعه بعلمه وعمله، ما يطرأ على المسافرين من مساوئ الأخلاق والضجر، ويعينه على مكارم الأخلاق ويحثه عليها. وقد أخرج الخطيب البغدادي في كتاب"الجامع"من جهة محمد بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"الجار قبل الدار.، والرفيق قبل الطريق، والزاد قبل الرحيل" [4] . ورواه الطبراني من حديث رافع بن خديج أيضًا [5] . رواه
(1) وتوجد آثار ذلك إلى يومنا هذا.
(2) وممن قال بهذا القول: ابن جريج. انظر مصنف عبد الرزاق (5543) .
(3) الصواب (العبدري) وليس (الدارمي) . والأثر ذكره النووي في المجموع (4/ 365) ، وقال: هذا مذهب باطل، لا أصل له. وانظر"موسوعة فقه إبراهيم النخعي"للدكتور قلعجي (2/ 138) .
(4) رواه الخطيب في"الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع" (رقم 1772) . وضعفه العجلوني في"كشف الخفا" (1/ 391) وغيره.
(5) رواه الطبراني في الكبير (4/ 268) ، والخطيب في الجامع (رقم 1771) وفي سنده أبان، وهو متروك. قال الكمال ابن أبي شرين: الحديث منكر. وقال الزبيدي في"إتحاف السادة المتقين" (4/ 324) : سنده ضعيف. وانظر"مجمع الزوائد" (8/ 164) و"كشف الخفا" (1/ 204) ، و"فيض القدير" (2/ 157) ، و"الميزان" (2/ 159، ترجمة 3274) .