ممَّا ينبغي أن يُسألَ في هذا المقام: كيف استحسنَ المتأخِّرونَ التَّثويبَ في الكلِّ للكلِّ مع أنَّ ذلكَ لم يكنْ في عصرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم، وعصرِ أصحابِه، فكان بدعة (1) ، ووردَ في الخبرِ عن سيِّدِ البشر: (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٍ) (2) ؛ فينتجُ أنَّ التَّثويبَ ضلالة، والضَّلالةُ والحُسْنُ لا يجتمعانِ في شيءٍ واحد.
وجوابُهُ من وجهين:
أحدُهما: إنَّ جماعةً من المحدِّثينَ صرَّحواُ بأنَّ (كُلِّ بِدْعَةٍ ضَلالَة) ، عامٌّ مخصوصٌ البعض.
فإنَّ البدعةَ خمسة اقسام:
واجبة.
ومحرمة.
ومندوبة.
ومكروهة.
ومباحة.
والضَّلالةُ منها، ليست إلا لقسمانِ:
المحرَّمة.
والمكروهة.
وروى أبو نُعَيْمٍ في (( الحلية ) ): في ترجمةِ الإمامِ الشَّافِعِيّ: حدَّثنا أبو بكر، حدَّثنا عبدُ اللهِ ابن محمد، حدَّثنا إبراهيمُ بن الجنيد، حدَّثنا حرملةُ بن يحيى، قال: سمعتُ محمَّدَ بن إدريسٍ الشَّافعي، يقول: البدعةُ بدعتان: مذمومة، ومحمودة، فما وافقَ السُنَّةَ فهو محمود، وما خالفَ فهو مذموم.
(1) في الأصل: (( يدعة ) ).
(2) في (( المستدرك ) ) (1: 174) ، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، وليس له علة، وفي (( المستخرج على صحيح مسلم ) ) (1: 35) ، و (( سنن الدارمي ) ) (1: 57) ، و (( سنن البيهقي ) ) (10: 114) ، و (( سنن ابن ماجه ) ) (1: 15) . ولفظ الحديث: عن العرباض بن سارية، قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم صلاةَ الصُّبح، ثُمّ أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي، الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) .ا. هـ.