والصواب عند العلماء المحققين أنهم وإن أطلقوا تلك الإطلاقات في المقالات أو الطوائف التي تنتحلها [1] .. إلا أنهم لا ينزّلون حكم التكفير على المعين إلا بعد النظر في شروط التكفير وموانعه، فمن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام مرارًا في: (الفتاوى) أن (الجهمية كفّرهم السلف والأئمة تكفيرًا مطلقًا، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها) أهـ.
-أن التكفير المطلق: هو أن يثبت بالدليل الشرعي كفر من أتى بقول أو فعل معين، وذلك أن يقال: من قال كذا فقد كفر، أو من فعل كذا فقد كفر، هكذا بإطلاق دون تنزيل الحكم بالكفر على شخص بعينه.
فالتكفير المطلق: هو تنزيل الحكم بالكفر على السبب، لا على الشخص فاعل السبب.
أي: هو (تجريم الفعل نفسه لا الفاعل) ؛ ولذلك يكفي فيه فقط النظر في الدليل الشرعي من حيث كونه قطعي الدلالة على الكفر الأكبر، وأنه ليس من الصيَغ محتملة الدلالة، مع النظر في قطعية دلالة الفعل أو القول نفسه على الكفر.
-أما تكفير المعين: فهو تنزيل حكم التكفير على الشخص المعين، الذي قال أو فعل السبب المكفّر، فلا بد فيه إضافة إلى النظر في تجريم الفعل كما في التكفير المطلق، أن ينظر في حال الفاعل أو القائل من حيث ثبوت الفعل عليه، وانتفاء موانع الحكم في حقه، أي استفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه ..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكنت أُبيّن لهم أن ما نُقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من قال كذا وكذا، فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة(الوعيد) فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله [إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ... ] الآية .. وكذلك سائر ما ورد؛ من فعل كذا فله كذا، فإن هذه مطلقة عامة .. وهي بمنزلة من قال من السلف، من قال كذا فهو كذا، ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة.
(1) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في:(مجموع الفتاوى) (4/ 16) : ( ... وكذلك رأيت في فتاوى أبي محمد-العز بن عبد السلام-فتوى طويلة فيها أشياء حسنة، قد سئل بها عن مسائلَ متعددة قال فيها ... وأما لعن العلماء للأئمة الأشاعرة فمن لعنهم عُزِّر، وعادت اللعنة عليه، فمن لعن من ليس أهلًا للعنة وقعت عليه، والعلماء أنصار الدين، والأشعريةُ أنصارُ أصولِ الدين) .
ثم قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-معلقًا على كلام العز بن عبد السلام: (فالفقيه أبو محمد أيضًا إنما منَع اللعنَ، وأَمَرَ بتعزير اللاعِنِ لأجلِ ما نصروه من(أصول الدين) وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن، والسنة، والحديث، والردِّ على من خالف القرآنَ، والسنة، والحديث ... ) ... (أحكام المجاهرين بالكبائر) (359/ 363) ، وكتابي: (العقيدة الصحيحة تيسير وتسهيل) (ص:284/ 285) ... ).