الصفحة 36 من 42

وهذا أصلٌ عظيم يجب تفهُّمه والاعتناء به؛ لأنَّ التكفير ليس حقًّا للمخلوق، يُكفِّر مَن يشاء على وَفْق هواه؛ بل يجب الرُّجوع في ذلك إلى الكتاب والسُّنَّة على فَهْم السَّلَف، فمَن كَفَّرَهُ الله ورسوله وقامتْ عليه الحجة فهو كافر، ومَن لا، فلا.

والحاصِل: أنَّ مذهب أهل التحقيق التَّفريقُ بين تكفير الفعل، وبين تكفير الفاعل، وكذلك الأمر في التَّبْديع، هناك فرقٌ بين تبديع القول أو الفعل، وبين تبديع القائل أو الفاعل، فليسَ كُلُّ مَن فعل بدعة صار مبتدعًا).

وقال ابن تيمية في الفتاوى (12/ 487) : (التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين [1] ، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه .. ) .

وقال الشيخ أبو محمد المقدسي في: (رسالته الثلاثينية) : (كثير من المبتدئين في طلب العلم لا يميزون بين إطلاقات كثير من العلماء في كتبهم ... نحو:(حكاية ابن القيم-رحمه الله تعالى-عن خمسمائة إمام من أئمة الإسلام أنهم كفروا من أنكر الاستواء وزعم أنه بمعنى الاستيلاء) ، أو: نحو قولهم: (من قال:"القرآن مخلوق"فقد كفر) ، أو: (قال:"إن الله في كل مكان"فقد كفر) .

وعلى هذا المنوال ما كنا نطلقه من إطلاقات عن بعض من وقع بأعمال، أو: أقوال مكفرة: (أنه قال أو فعل الكفر) فقد كان ينسب بعض المبتدئين إلينا بسبب مثل هذه الإطلاقات تكفير أولئك المعينين، وهو ما لم نقله أو: نقصده بحال.

وكذلك اطلاقات العلماء في الطوائف المنحرفة، عن عقيدة أهل السنة والجماعة كقولهم (الجهمية كفار) ، أو (القدرية كفار) أو نحو ذلك.

فلا يميزون بين هذا، وبين تنزيل هذه الأحكام على الأعيان .. فربما كفّروا كل من سمعوا منه شيئًا من هذه المقالات أو قرؤوه في كتبه ومؤلفاته .. حتى سمعت منهم من كفّر كثيرًا من الأعلام لوقوعهم في شيء من تأويل الصفات كالحافظ بن حجر، والنووي وغيرهم، ومن المعاصرين سيد قطب وغيره .. وهذا كله من التهور والتسرع الذي لا تحمد عقباه ..

(1) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (ومن القواعد التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في قواعد التكفير قوله:(الْكٌفْرُ الْعَامُّ لاَ يَسْتَلْزِمُ دَائمًا الْكُفْرَ الْمُعَيَّنْ) ، وقد نظمت هذه القاعدة قائلًا:

5 -لاَ يُوجِبُ الْكُفْرُ فِي التَّعْمِيمِ لُذْ بِحِجَى * كُفْرَ الْمُعَيَّنِ فِي التَّخْصِيصِ فَالْتَزِمِ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت