الحمد لله أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وخير الغافرين، أكرمنا بهذا الدين الصحيح، وأرسل إليه خاتم الرسل أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد أرسل لي أخي جنابة الدكتور المجاهد الصادع بالحق عبد الله المحيسني هذا البحث القيم لأنظر فيه وأراجعه، وأقدم له بمقدمة وتقريظ تناسب هذا الجزء الحصيف، والبحث اللطيف، والدكتور -حفظه الله تعالى-أحسن الظن بأخيه، وهذا من حسن أدبه المعروف به، وأنزل طلبه في غير محله، واستسمنتَ ذا ورم، ونفَخ في غير ضَرَم-وهذا من تواضعه حفظه الله، وإلا فهو جذيلها المحكَّك، وعذيقها المرجَّب، ولم أجد بدًا من النزول إلى رغبته السنية، فصححت ما ند عن البصر، وأضفت إليه ما رأيته مناسبًا، وعدلت فيه ما رأيته صوابًا، وإلا فـ (كل [1] الصيد في جوف الفرا [2] ، وفي أعين ناظريه أحسن من نار القرى، في عين ابن السرى- وهو كناية عن الاكتفاء به حتى كأنّ من يصطاده قد اصطاد كل صيد) .
والشأن في هذا كما قلت في أرجوزتي الدالية:
أبْشِر فَكُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَرَا * زَعْمٌ بِبُرْهَانٍ جَليٍّ قُيِّدَا
وقلت في أخرى-أذكر منها هذا البيت أيضًا-:
صبرًا فكل الصيد فِي جوفِ الفَرَا * لا يَشْغَلنْ قلبَ اللبيب الناعقُ
وإن شئت قلت:
(1) -وقال ابن عطية في: (المحرر الوجيز) (2/ 386) : (كل: لفظة تصلح للإحاطة، وقد تُستعمل غيرَ محيطةٍ على جهة التشبيه بالإحاطة، والقرينةُ تُبيِّن ذلك) .
انظر: (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد) (2/ 94/95) لأبي العباس البسيلي التونسي.
(2) -والفرا: حمار الوحش وهو أفضل صيد عند العرب، وعلى ذلك قولهم في المثل: (كل الصيد في جوف الفرا) ، كناية عن الاكتفاء به حتى كأن من يصطاده قد اصطاد كل صيد.
انظر: (نار القرى في شرح جوف الفرا) (ص:2) تأليف: ناصيف اليازجي اللبناني عند قوله:
قد جمعت في النحو ما سوف ترى ** أُرجوزة سميتها جوف الفرا
وفي: (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد) (2/ 94/95) ما نصه: (مثل يضرب للشيء يكون عظيمًا فيُغني لعظمه عن جميع أبناء جنسه، كأنها كلها حاصلة فيه ... ) .
انظر: (رفع الحجب المستوردة عن محاسن المقصورة) (1/ 420) ، و (الأمثال) (35) للقاسم بن سلام، و (التمثيل والمحاضرة) (22) ، و (مجمع الأمثال) (2/ 136) ، و (المستقصى في الأمثال) (2/ 224) للزمخشري، و (فصل المقال) (10/ 11) لأبي عبيد البكري، و (معجم الأمثال العربية) (2/ 570) .