والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو: نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها، ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا) أهـ كما في: (مجموع الفتاوى) (3/ 147/148) .
وقال أيضًا في: (مجموع الفتاوى) (35/ 101) : (وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن"الإيمان"من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، وليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال، لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه ببادية بعيدة، أو: سمع كلامًا أنكره، ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - ... .. الخ) وقد تقدم
وقال أيضًا في: (مجموع الفتاوى) (23/ 195) : (وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد فإن الله سبحانه وتعالى يقول:(إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (سورة النساء، رقم الآية:10) .
فهذا أو: نحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز ألاَّ يلحقه الوعيد لفوات شرط أو: ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بَلَغهُ، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع.
وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو: لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه-كائنًا ما كان-سواء كان في المسائل النظرية، أو: العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -وجماهير أئمة الإسلام) أهـ.
وقال أيضًا في: (مجموع الفتاوى) (12/ 261/262) -بعد أن ذكر نزاع بعض المتأخرين في تكفير أهل البدع هل هو كفر ينقل عن الملة أم لا، وهل يخلدون في النار أم لا-قال: (وحقيقة الأمر: أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا: فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق