الصفحة 21 من 42

وفي لفظ لمسلم: (إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما) ، وفي رواية: (من دعا رجلًا بالكفر أو: قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) .

فليعلم المسلم الغيور: أنه إذا قال لأخيه المسلم: يا عدو الله! فمعناه أنك قد حكمت عليه بأنه يبغض الله، ويحارب دينه! ويحارب كتابه، ويحارب رسله، وهو ليس كذلك، فاحذر أخي الحبيب من فلَتات اللسان بالأقوال التي تُحْسَبُ عليك، وتُخِلُّ بِدِينِكَ.

وقد قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى-في: (الفتح) (1/ 466) : (والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر) .

وقال ابن حجر الهيتمي في: (الزواجر) (2/ 125) عند قوله-عليه الصلاة والسلام: (إلا حار عليه) [1] : (أي: رجع عليه ما قاله، هذا وعيد شديد وهو رجوع الكفر عليه، أو: عداوة الله له، فلذلك كانت إحدى هاتين اللفظتين إما كفرًا بأن يُسمي المسلم كافرًا، أو: عدو الله من جهة وصفه بالإسلام، وإما كبيرة بأن لا يقصد ذلك فرجوع ذلك إليه حينئذ كناية عن شدة العذاب والإثم عليه وهذا من أمارات الكبيرة) .

قال الحافظ ابن حجر في: (الفتح) (12/ 273) : (وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر) .

وتعجبني بهذه المناسبة مقولة للإمام ابن حزم-رحمه الله تعالى-يقول فيها: (من أراد الإنصاف فليتوهَّم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسُّفه) [2] .

ولله در القائل:

ولم تزل قلةُ الإنصاف قاطعةً * بين الأنام وإن كانوا ذوي رَحِمِ [3]

(ومن قلة الإنصاف: تعميم الأحكام، والحكم على فرد بمجرد انتمائه إلى طائفة، والحكم على طائفة من خلال فرد فيها) [4] .

نحن لا نزعم أن العلماء معصومون، وإنما نطلب من المجرحين أن يتحروا الإنصاف، والعدل، والورع، قال الحافظ الذهبي-حفظه الله تعالى: (وإنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع) .

(1) -قال الصنعاني في: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:190) : (حار-بالحاء المهملة-: أي: رجع) .

(2) -انظر: (الأخلاق والسير) (ص:18) ، و (القواعد المثلى) (ص:87) ، و (الإكفار والتشهير ضوابط ومحاذير) (ص:84) للشيخ عبد الله الجوعي.

(3) -كتب عبد الله العُمري العابد الإمام مالكًا يحثه على الاقتصار على التعبد وترك الخلطة، فكتب إليه الإمام مالك قائلًا: (إن الله قسّم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرُب رجل فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشْر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر) . انظر: (سير أعلام النبلاء) (8/ 114) ، و (الإحكام في قواعد الحكم على الأنام) (ص:12) .

(4) -انظر: (الإحكام في قواعد الحكم على الأنام) (ص:13) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (2/ 138) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت