الصفحة 12 من 42

فأما إذا نفى اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال، وإلا لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قاله، لكونه ملتزمًا لرسالته، فلماذا لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وإن كان لازمًا له: ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفعه واللازم الذي نفاه ولا يلزم من كونه نصَّ على الحكم نفيه للزوم ما يلزمه، لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين) [1] .

ولهذا اتفق الفقهاء [2] ، وأهل الحديث، وعلماء العقيدة أن: (من ثبت إسلامه بيقين، لا يُحكم بكفره إلا بيقين) [3] ، وهذا مبني على قاعدة فقهية مشهورة، وهي: (اليقين لا يزال بالشك) .

المعتزلة لا يعذرون بالجهل، وقد رد عليهم الصنعاني، وقال الصنعاني-فيما نقله عن الهادوية: (ولا يجوز إكفار الغير إلا بيقين [4] ... قال النجري وغيره: فالتكفير والتفسيق بغير دليل قطعي معصية محتملة عندنا، ثم قال: واعلم أن جميع ما ذكرنا في التكفير جار في التفسيق، فلا يكون تفسيق الغير إلا عن دليل قاطع) [5] .

وقال محمد بن عبد الوهاب-كما في: (مجموع مؤلفات الشيخ، والرسائل الشخصية) (12/ 60) : (إنما نكفِّر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نُبيِّنُ له الحجة على بطلان الشرك) .

وقد بينت هذا بتوسع في منظومتي المسماة: (شوارد الأنس في نظم وشرح القواعد الفقهية الخمس) :

وثاني:"يَقِينٌ ليْسَ يُرْفَعُ يَا فتى * بشكٍّ"فَصُنْ فِكْرًا لديْكَ من الوَهْمِ

كما هو شأن الغُسْلِ يَنفِي قَذَارَةً * فإنْ كُنتَ مُرْتَابًا فقَدْ جِيءَ بِالحَسْمِ

فقد وبخ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أسامةَ بنَ زيد لما قَتَل رجلًا بعد أن قال:"لا إله إلا الله"، فقال له:"أقال: لا إله إلا الله وقتلتَه؟"، قال: قلتُ يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال:"أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟"، فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" [6] ."

وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين في: (شرح صحيح مسلم) (1/ 224/225/رقم:158/ 159) : (وإنما تمنى ذلك، لأن الكافر إذا أسلم غُفر له ما تقدم، لقول الله عز وجل:(قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الاولين) (سورة الأنفال، رقم الآية:38) ، فلهذا تمنى ألا يكونَ أسلم من قبل حتى يُسلم، فيُغفر له ما سبق).

(1) -انظر: (مجموع الفتاوى) (29/ 41/43) ، و (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:212) .

(2) -ما عدا خلافًا غيرَ معتَبَر لبعض للمالكية، فلا عبرة به.

(3) -انظر: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:180) .

(4) -انظر: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:40) .

(5) -انظر: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:180/ 190) .

(6) -أخرجه مسلم في: (صحيحه) ، كتاب الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد قوله:"لا إله إلا الله"، (رقم:140) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت