الصفحة 56 من 176

الوصف، والتنسيق بين قوات التحالف الباطني وقوات الدفاع الإسرائيلية قائم على قدم وساق، وكان هذا التنسيق يتم عن طريق الأمريكان الذين كانوا يضبطون الأدوار، ويرسمون الحدود الحمراء.

ولم أعد الوحيد الذي يكتب في الصحافة عن مخاطر الباطنيين وأساليبهم الملتوية، وعن جرائم أسد النصيرية ضد أهل السنة في بلاد الشام، وحتى بعض أصدقائه من الحكام العرب صاروا يصرحون ببعض ما ينبغي عدم السكوت عنه، ومن جبن منهم عن التصريح علنًا فقد أعطى الضوء الأخضر لأجهزة إعلامه .. وفي مثل هذه الأجواء يكثر الأدعياء الذين يزعمون بأنهم كانوا يرون ذلك من قبل ويحذرون منه.

كنت ذات يوم جالسًا مع المشرف العام على المجلة (وهو أحد الشخصيات الإسلامية) في مكتبه، وقطع خلوتنا وفد من منظمة فتح الفلسطينية، وهم اليوم من كبار أعوان ياسر عرفات ومساعديه، وبعد المجاملة أخذوا يتحدثون عما جاءوا من أجله، قالوا:

كنا نستغرب ونستنكر ما تكتبونه في مجلتكم ونعتبره نوعًا من التعصب الطائفي الذي لا يليق بمثلكم من الوطنيين، ولكن الأيام أثبتت أن تحليلاتكم كانت صحيحة ودقيقة، كما كانت تحالفاتنا ضربًا من الأوهام، ولم يكن يدور بخلدنا أننا سنكون ضحية للنظام النصيري، أو لحركة أمل الشيعية التي صنعناها بأيدينا، ولا نكتمك أيها السيد الفاضل أننا أعدنا قراءة أعداد المجلة مرة أخرى بطريقة غير الطريقة الأولى.

المشرف أعجبه ما سمعه من بعض قادة فتح، وتناول أعداد المجلة، وشرع يقلب لهم صفحاتها: انظروا في هذا العدد قلنا كذا وكذا، وفي هذا العدد عرضنا صورًا من أساليب الباطنيين الملتوية، وفي هذا العدد نقلنا ما قاله علماؤنا في كتب الفرق عن الطائفة النصيرية. إن قضايا الاعتقاد محسومة عندنا، ولا مجال فيها للاجتهاد ولن نسمح للعواطف الهوجاء أن تتحكم بنا، وفلسطين لن يحررها إلا مجاهدون مسلمون صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

نظر المشرف إليَّ بعد خروج الضيوف نظرة ذات معنى، ثم حاول أن يدفعني إلى التعليق على ما سمعته منه ومن قادة فتح، ولاشك أن كلًا منا يعرف ما فعله بصاحبه، لاسيما وهو الرجل الذي كان أصحابه يطلبون منه منعي من الخوض في هذا الهذيان الذي كنت أهذي به - حسب فهمهم -.

خلاصة القول: لم أكن عرافًا ولا منجمًا عندما فضحت أهداف التحالف النصيري الباطني في لبنان، وليس من طبعي الجزم بأمور وتحليلات سياسية تبدو مستنكرة عند أمثالي، ولكنني قرأت بإمعان وتدبر تاريخ الفرق الباطنية، من كتب العقائد والفرق والتاريخ، ثم قرأت فتاوى كبار علمائنا في القديم والحديث الذين عرفوا هذه الفرق، وسبروا غورها، وبينوا لنا استعدادها الدائم للتعاون والتحالف مع كل عدو للإسلام والمسلمين، ومن الأمثلة على ذلك تعاونهم مع الصليبيين الذين احتلوا القدس وما حولها، ثم تعاونهم مع التتر، وتورطهم معهم في كثير من المجازر الفظيعة، ثم مع الفرنسيين في مطلع هذا القرن.

ولعل من الأسباب التي دعتني إلى التعمق بهذه الدراسات تسلم قادة الطائفة النصيرية لشؤون الحكم في سورية منذ أكثر من ثلث قرن، عشنا - أهل الشام - خلالها حياة شاقة ليس لها مثيل في أي بلد يدين شعبه بالإسلام، ورأينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت