سال الحبر على ورق التقارير عني أكثر منه عن إسرائيل، ولقد عذلني الصديق لائمًا لي أني أغفل أمر نفسي، ولكن غبائي لم يبح لي الكتمان. كنت أريد لهم الخير، ألح عليهم أن يكونوا مؤمنين حقيقيين، أن يقلعوا عن الغوغائية والدجل، روابط عاطفية كثيرة كانت تشدني إليهم، فهم جزء من شبابي، لم يستطع خيالي أن يدرك أنه كان عبثًا إلى هذا الحد. إصلاحهم كان يعني أنه لم يكن دون جدوى، كان أسفي عليه يدفعني إلى النقد لعلي أنجو من تبكيت ضمير من يذر فتوته في أرض يباب.
كنت أنذرهم أن سبل الثورة باتت خطرة على نفسها وعلى الشعب وأنها ما باتت ثورة بل انقلاب شرذمة، أدى بها الغرور والأنانية والتمسك بالحكم إلى طغيان بوليسي لا هدف له ولا رجاء منه غير الخراب والتخريب والولوغ بالدم والشرف.
من يذكر الإشاعات التي كان يطلقها الحكم كلما قدمت دمشق من باريس في أمر خاص أو عام من محاولة انقلاب إلى مؤامرة وعدد المرات التي صدرت فيها الأوامر للحدود بعدم مغادرتي البلاد، يعجب لعرض الدكتور ماخوس. ولا أقدر أن إسرائيل تجهل هذه الأمور وهي التي تعلم كل ما تريد أن تعلم عن حكم سورية، فلم اختارني إذن؟ أليس اختياره مدعاة للعجب؟ زعم لي أنها مبادرة خاصة وأن الأمر يظل مكتومًا بيني وبينه وأنه يريد أن يقوم بلعبة ذكية"تفاجئ العالم جميعًا"وتنقذ جزءًا عزيزًا من أرض الوطن من الاحتلال وأننا لو نجحنا لسجلنا نصرًا تاريخيًا أهم من غزو"جبل طارق"على حد تعبيره وأننا نثبت للعرب أن الثورة"ليست عنيفة فحسب وإنما هي ذكية أيضًا".
كنت أسمع فلا أصدق وهو يشير بيديه ويقطب ويتهيج: مسرحية حقيقية. قلت له:"ولماذا ننفرد بهذا العمل التاريخي؟ هل تضمن موافقة الرفاق لو وصلنا إلى حل؟".
فطلبت منه تفويضًا شخصيًا يبقى سريًا إذا تعذر أن يكون جماعيًا، يعرف منه الناس، فيما لو حدث ما لم يكن في الحسبان، حسن النية التي دفعت إلى ركوب هذا المركب. فثار الدكتور قائلًا:"أنتم جيل الحزب الأول لم يعد منكم"كار"هرمتم وخرفتم وجبنتم عن تحمل المسؤولية. لم تعودوا أهلًا للتضحية، لو كلفكم الوطن العربي والوحدة العربية ومستقبل الأمة العربية الاستغناء عن فنجان قهوة لما فعلتم".
واصطدمنا، فلان، وأخذ يذكرني بجنرال إنكليزي اعترف بخيانته في الحرب العالمية الأولى، وأعدم من أجل تنفيذ خطة رأت القيادة ضرورة موته كي يصدق العدو التقارير الكاذبة التي أرسلها وأعيدت محاكمته بعد النصر وبرئ وأعيد اعتباره.
رأيتني بعين خيالي معلقًا في ساحة المرجة وتساءلت بيني وبين نفسي: لم؟ هل يعود الجولان على جثتي؟ هل قضيته على هذه البساطة؟ من يعرف الدكتور ماخوس ولبوس البراءة التي يرتدي والتي خدعت الكثيرين لابد له من أن يذهب به الظن مذاهب شتى، وأنه يبطن غير ما يبدي، وليس هو بالذي يبادر المبادرات الخطيرة، فما هو غير صوت معلمه يغني فيطرب إذا شاء له ذاك، ويأتي نشيده نشازًا إذا أحب له.