وخلال أشهر قليلة، وُلِدَ وترعرع في لبنان حزب يعتبر من أكبر وأغنى الأحزاب اللبنانية على الإطلاق بما فيها حزب الكتائب الذي مضى على تأسيسه أكثر من خمسين عامًا .. كيف حدث ذلك؟!.
الذين يثيرون مثل هذا السؤال يعرفون الجهود المضنية التي يبذلها كل من أراد أن يشكل حزبًا سياسيًا، فهو من جهة لابد له من صياغة مبادئ مقنعة لهذا الحزب، ومن جهة أخرى لابد له من إقناع الناس بجدوى هذه المبادئ، وقدرتها على منافسة الأحزاب الأخرى، وقد يمر عقد أو عقدين، دون أن يتطور هذا الحزب، ويحتل مكان الصدارة في ميادين الأنشطة السياسية.
لكن هؤلاء الذين يثيرون مثل هذا السؤال يجهلون أن الإمامية - الاثني عشرية - هم أقرب ما يكونون إلى الحزب، فمراجعهم من الآيات يتولون مركز قيادة الطائفة، والمتمسكون بدينهم من أبناء الطائفة هم قاعدة هذا الحزب، وحتى غير المتمسكين بدينهم لبعضهم دور داخل هذا التنظيم، أما المناهج والأهداف، والتستر خلف شعارات براقة تستقطب الجماهير ب [التقية] ب، فللقوم باع طويل في هذا المجال، وخبرة عريقة عمرها هو عمر التاريخ الإسلامي.
وعندما جاءت الأوامر والتعليمات من آية الله روح الله الخميني، قال معظم شيعة لبنان سمعًا وطاعة للإمام وحكومته، فكم نتمنى أن يفهم المنظرون الفلاسفة من أصحابنا معلومات كافية عن عقائد الشيعة وآياتهم وطبيعة تكوينهم .. وكم نتمنى أن يدركوا أهمية المرجعية في نشأة وتطور الطوائف والأحزاب والجماعات، ولو أدركوا ذلك لوفروا على أنفسهم هذه الأوقات والجهود التي يهدرونها، وجعلوا المجال، وخبرة عريقة عمرها هو عمر التاريخ الإسلامي. بالقضية الأولى في مسيرتهم الدعوية هي قضية المرجعية.
أما التمويل المادي لحزب الله فقد تكفلت به قيادتهم في إيران، ويقول المختصون بالشأن الإيراني أن هذه المساعدات بلغت في بداية رئاسة رفسنجاني الثانية حوالي [280 مليون دولار] ، وهذا غير السلاح والعتاد الحربي الذي كان يشحن لهم عن طريق سورية، ومن الأرقام الأخرى التي تذكر [12 مليون] في الشهر، ويقول علي نوري زاده: بلغت المساعدات عام 1993 [160 مليون] ، وجاء في كتاب الحروب السرية:
"بلغت الأجرة الشهرية للمقاتل خمسة آلاف ليرة لبنانية، وهي أعلى أجرة تقاضاها مقاتل في لبنان عام 1986، لدرجة أن مقاتلي أمل راحوا بهدف الكسب يهجرون صفوف الحركة للانخراط في حزب الله، وهذا الأخير يجني موارده أيضًا من الزكاة ومن ابتزاز الأموال من التجار المسيحيين أو من الذين لا يلتزمون بالتعاليم الإسلامية [الحلاقون والخياطون وأصحاب الملاهي] وكذلك من خطف الرهائن، فضلًا عن ذلك جاء في تقرير دبلوماسي فرنسي أن حزب الله في البقاع قد استولى على الأراضي المسيحية فيها لنشر زراعة الخشخاش".
فعلى الذين يحلو لهم أن يقارنوا ما بين حزب الله والأحزاب السنية الإيرانية أن يضعوا في حسبانهم تركيبة الطائفة الشيعية من جهة، وحجم الدعم الذي كانت إيران تقدمه لفرعهم في لبنان، ومن الأمثلة على ذلك أن عدد الخبراء والمدربين الإيرانيين الذين كانوا يتولون رعاية تنظيم شؤون حزب الله في لبنان يزيد عن الألفين.