الفصل الثاني؛"زعيمهم"وسبب انفصاله عن الشيعة وموقفهم منه
تنتسب هذه الطائفة إلى زعيمهم محمد بن نصير النميري، وكنيته أبو شعيب، وكان من الشيعة الاثني عشرية، وأصله من فارس، ثم انفصل عنهم إثر نزاع بينه وبينهم على ثبوت صفة الباب له، حيث ادعى أنه الباب إلى المهدي المنتظر فلم تقرّ له الإمامية بذلك فانفصل عنهم وكوّن له طائفة وقد ظل زعيمًا لطائفته إلى أن هلك سنة 260 هـ، وبعضهم يذكر أنه في سنة 270 هـ وقد كان فيما يقول علماء الفرق؛ مولى للحسن العسكري - الإمام الحادي عشر للشيعة الاثني عشرية - ولقد كان للحسن العسكري موقف شديد منه ومن آرائه الكفرية.
لقد صار ابن نصير داخلًا في قسم كل نصيري، وهو قسم مملوء بالشرك والإلحاد، وهو يشير بكلمات موجزة إلى ديانتهم وما فيها من الاعتقادات، لا يعرفها إلا من توسع في دراسة هذه الطائفة ووقف على مخازيهم بمداخلته لهم.
وهذا القسم هو كما يأتي: (أني وحق العلي الأعلى وما أعتقده في المظهر الأسنى، وحق النور وما نشأ منه، والسحاب وساكنه، وإلا برئت من مولاي عليّ العلي العظيم وولائي له ومظاهر الحق، وكشفت حجاب سلمان بغير إذن وبرئت من دعوة الحجة ابن نصير، وخضت مع الخائضين في لعن ابن ملجم، وكفرت بالخطاب - أي بالديانة والدعوة - وأذعت السر المصون وأنكرت دعوى أهل الحق، وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى اجتثت أصولها وأمنع سبيلها، وكنت مع قابيل على هابيل، ومع النمرود على إبراهيم، وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه إلى أن ألقى العلي العظيم وهو عليّ ساخط وأبرأ من قول قنبر وأقول إنه بالنار ما تطهر) [6] .
وستتضح معاني هذا القسم من خلال دراستنا لهذه الطائفة، وحين بنى ابن نصير ديانته على الالتصاق بالحسن العسكري، وإنه الباب إلى ابنه المزعوم محمد بن الحسن العسكري.
كان الحسن العسكري شديد التحذير منه شديد السخط عليه، حيث كتب إلى أحد أتباعه قائلًا له ومحذرًا من أفكار ابن نصير وفجوره: (إني أبرأ إلى الله من ابن نصير النميري، وابن بابا القمي فأبرأ منهما، وإني محذرك وجميع موالي ومخبرك أني ألعنهما عليهما لعنة الله فتانين مؤذيين، آذاهما الله وأرسلهما في اللعنة وأركسهما في الفتنة) [7] .
والسبب في لعنه إنما كان في دعوى ابن نصير النبوة ودعوى الألوهية لأهل البيت وغير ذلك من المبادئ والاعتقادات الوثنية المجوسية، وقد نقل عبد الحسين عن القمي وصفه لابن نصير بأنه كان فاحشًا وشاذا جنسيًا - بالتعبير الحديث - حيث أجاز اللواط وسائر المحرمات مدعيًا أن ذلك من التواضع والتذلل في المفعول به ... إلى آخر ما وصف به من صفات شنيعة [8] لا نحب ذكرها هنا.
ولكن في"الهفت الشريف"نفي هذا تمامًا، وأنه لا يقع من مؤمن منهم، بل يقع على من أبغض عليًا فقط كما يرويه المفضل [9] الجعفي، وقد أجمعت كتب الشيعة على ذكر دعوى ابن نصير أنه الباب ثم النبوة ثم القول بألوهية علي، وإباحية المحارم، والقول بالتناسخ، كما استوعب عبد الحسين الشيعي أخباره في كتابه"العلويون أو النصيرية"نقلًا عن أهم مصادرهم مثل سعد القمي [10] ، والنوبختـ [ـي] [11] ، وأبو عمر الكشي [12] وأبو جعفر الطوسي [13] والحلي [14] والطبرسي [15] والدكتور مصطفى الشيبي [16] .
وبعد ذلك حاول جاهدًا البراءة من النصيرية، ومن ابن نصير وجميع أفكاره ومعتقداته، حتى وإن كان له صلة الصحبة بالحسن العسكري ثابتة في كتب الشيعة، إلى أن مات الحسن العسكري ثم قيام ابن نصير بدعوى الباب إليه منكرًا وكلاء الإمام محمد بن الحسن العسكري [17] .
وهذا أهم الأسباب في نقمة الرافضة على ابن نصير واتهامهم له بشتى الاتهامات.
ويؤكد أحد علماء الشيعة الاثني عشرية وهو محمد رضا شمس الدين الذي زار النصيرية سنة 1376 هـ للتعرف على أحوالهم موفدًا من أحد المراجع الدينية في النجف عبد الهادي الشيرازي: (أن النصيرية لا يزالون إلى اليوم يتمسكون بأفكار زعيمهم محمد بن نصير، وذكر أنه حينما زارهم رحبوا به أجمل ترحيب، ولكنه لاحظ عدم اكتراثه بفرائض الدين من صلاة وحج وعدم وجود مساجد في منطقتهم، كما لاحظ أن فكرة تناسخ الأرواح لا تزال منتشرة بينهم، وهم يسمونها تقمص الأرواح) [18] .
ولاشك في صحة شهادة محمد رضا فإنه أعلم بهم - وشهد شاهد من أهلها - فأي إسلام لهم بعد تركهم الصلاة والحج ومحاربة بناء المساجد، ثم القول بالتناسخ الذي هو قول المجوس عباد الأوثان؟!
ومع هذا فإن أهل السنة في غفلة تامة عنهم.
ومن الجدير بالذكر أن الاثني عشرية قد توجهت نحو جميع فرق الباطنية النصيرية - وغيرهم من سائر الغلاة - وجهة جديدة، وهي احتواء جميع تلك الفرق وصهرها في بوتقة المذهب الاثني عشري؛ فقد نادوا بأن النصيرية العلوية هم شيعة أهل البيت، وهو ما أكده الشيرازي منهم [19] .
ووقوف العلويون إلى جانب الرافضة في عصرنا الحاضر أقوى شاهد.
[6] العلويون أو النصيرية ص3, ولعله لإحراقه الذين ألهوا عليًا.
[7] المصدر السابق ص4.
[8] العلويون أو النصيرية ص21 نقلًا عن مقالات القمي ص100.
[9] الهفت الشريف ص140.
[10] المقالات والفرق.
[11] فرقا الشيعة.
[12] رجال الكشي.
[13] رجال الطوسي وكتاب الغيبة.
[14] الرجال.
[15] الاحتجاج.
[16] الصلة بين التصوف والتشيع.
[17] يدعي الاثنا عشرية أن محمد بن الحسن العسكري بعد أن اختفى في السرداب كان له أربعة وكلاء بينه وبين الناس، وهم عثمان بن سيد العمري، محمد بن عثمان الخلاني، الحسين بن روح النوبختي وعلى بن محمد السمري.
[18] ذكر هذا في كتابه العلويون في سوريا ص54 نقلًا عن كتاب العلويون أو النصيرية ص46.
[19] انظر: العلويون شيعة أهل البيت، للشيرازي.