يعتبر النصيريون ديانتهم ومذهبهم سرًا من الأسرار العميقة التي لا يجوز إفشاؤها لسواهم، وقرروا أن الذي يفشي شيئًا منها يكون جزاؤه القتل في أسوأ صورة له، لأنه أفشى سر العلي الأعلى.
ومن أمثلة ذلك أن سليمان الأضني - وهو من أبناء مشايخ النصيرية من ولاية أضنة - تنصر بتأثير بعض المنصرين الأمريكيين وجاء إلى اللاذقية، وكتب كتبًا سماه"الباكورة السليمانية"، وكشف فيها الكثير من أسرار العقيدة النصيرية، وطبع المنصرون الأمريكيون الكتاب في بيروت سنة 1863.
وبعد أن قام باللاذقية مدة، أخذ أقاربه يراسلونه ويحببون إليه العودة إليهم، مستعملين في ذلك كل وسائل التودد والمجاملة، حتى آمن جانبهم وعاد إلى وطنه الأصلي، فكان جزاؤه أن أحرقوه حيًا، ثم حاول النصيريون بكل جهد وعزم على احتواء الكتاب، حتى اختفى تدريجيًا، ولا توجد منه الآن نسخة واحدة [29] .
وهكذا فإنهم يترصدون لكل من يذكر عنهم شيئًا أو يشير إلى عقائدهم الخبيثة التي تنضح شركًا ووثنية، ولا يملكون من وسائل الدفاع والرد غير التصفية الجسدية، لعلمهم بأن مذهبهم عورات لا تحتمل النقاش وعرض الأدلة، فهي أقنعة واهية سرعان ما يظهر ما وراءها وينكشف، ومن هنا فإنهم ليسوا على استعداد لأي بحث ومناظرة.
وقد كتب محمد فريد وجدي خلاصة عن ما جاء في كتاب"الباكورة السليمانية"، هي:
-أن النصيرية علويون يعتقدون بألوهية الإمام علي، و"الشمالية"منهم يقولون؛ إنه حالٌّ في القمر، و"الكلازية"يذهبون إلى أنه حال في الشمس، ولهذا فهم يقدسون الشمس والقمر وسائر النجوم.
-ويعتقدون بتناسخ الأرواح، فالأرواح الصالحة عندهم تحل في النجوم، ولهذا يسمون عليًا"أمير النحل"، أي أمير النجوم، والأرواح الشريرة تحل في أجسام الحيوانات التي هي في نظرهم نجسة، كالخنازير والقرود وبنات آوى.
-أن كلمة السر عندهم ثلاثة أحرف، وهي"ع. م. س"، أي علي، محمد، سلمان.
-أن للنصيرية كتابًا مقدسًا يعتمدونه ويرجعون إليه وهو غير القرآن، ولا يحتل القرآن عندهم إلا مكانًا ثانويًا.
-العقائد النصيرية غير متجانسة، وثنية قديمة، وإسلامية متطرفة [30] .
وحين تزعم النصيري"علي عيد"التنظيم النصيري في طرابلس، فأشار إلى هذا صحاب"مجلة الحوادث اللبنانية"، فقتل بمؤامرة هؤلاء [31] .
وأمثلة أخرى كثيرة تدل على أن هؤلاء ليسوا على يقين من صلاحية ديانتهم وصفائها، وأنهم يعلمون أنها قامت على شفا جرف هار مملوءة بالخداع والتضليل، وتبييت النية السيئة لغيرهم من البشر.
فإن من كانت نيته طيبة ومبادئه سليمة؛ لا يتخوف من أحد أن يطلع عليها، بل يفرح بكثرة المطلعين، كما هو الحال عند أهل السنة والجماعة الذين يتمنون لو أن أهل الأرض كلهم يدرسون مبادئهم ويطلعون عليها، بل إنهم بالعكس يشعرون دائمًا بالمرارة من محاربة علماء السوء والزعماء الضلال لأفكارهم التي هي تبع لأوامر الله ونواهيه في كتابه الكريم.
وسبب تلك العداوة من قبل أولئك الضلال المنتفعين؛ أنهم يعلمون تمامًا أن العقيدة الصحيحة حينما تصل إلى قلوب أتباعهم تحول فورًا بينهم وبين الخضوع والسجود لأولئك الطغاة، ومنا هنا كانت السرية هي أهم ما يطلب به الداخل في ملّتهم.
وقد جاء في"الهفت الشريف"من الحث على لزوم الكتمان ما رواه المفضل الجعفي عن رجل انتهى من تكرار التناسخ أنه قال له: (وأوصيك يا أخي ونفسي بكتمان سر الله تعالى وباطني مكنونة إلا من إخوانك الموحدين المقربين بمعرفة العلي الأعلى، ثم غاب عني، فقال الصادق: لقد أتاني في هذا الأسبوع ثلاث مرات فسلم علي وأنا فيكم ولا تعرفونهم) [32] .
وقال الصادق للمفضل كما يرويه صاحب"الهفت": (يا مفضل لقد أعطيت فضلًا كثيرًا وتعلمت علمًا باطنًا فعليك بكتمان سر الله ولا تطلع عليه إلا وليًا مخلصًا، فإن فشيته إلى أعدائنا فقد أعنت على قتل نفسك) [33] .
ويسمى صاحب"الهفت"المسلمين كلهم بأنهم أنجاس ورعاع إلا من دخل في ضلالته، وذلك في قوله: (وأن هذا العلم يا مفضل سر الله ومكنون خزائنه الذي لم يطلع عليه أحد من عباده إلا الأولياء المختصون، وواجب سبحانه وتعالى أن لا يتطلع - هكذا - على هذا العلم الرعاع الأنجاس) ، ثم قرأ: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا} [34] .
[29] دائرة معارف القرن العشرين 10/ 249 - 250، نقلًا عن"العلويون"ص63.
[30] دائرة معارف القرن العشرين 10/ 249 - 250، نقلًا عن (العلويين) ص63.
[31] المصدر السابق 10/ 250 نقلًا عن طائفة النصيرية ص43.
[32] الهفت الشريف ص54.
[33] ص102.
[34] ص134، والآية من سورة الجن: 26 - 27.