و أما الخبر الثالث فمفاده أن عليا امتنع من بيعة أبي بكر و تأخر عنها، و لم يُبايعه إلا مُكرها بعد وفاة زوجته فاطمة [1] . و خبره هذا لا يصح إسنادا و لا متنا، فأما إسنادا فقد سبق أن أثبتنا أن أسانيد كتاب الإمامة و السياسة غير صحيحة. و أما متنا فتوجد روايات صحيحة [2] تخالف هذا الخبر، و تُثبت أن عليا بايع أبا بكر طواعية من دون إكراه، أولها رواية ذكرت أنه عندما بايع المسلمون أبا بكر البيعة العامة بالمسجد، تخلف علي و الزبير - رضي الله عنهما- فلما لم يراهما أبو بكر أرسل إليهما، فلما حضرا كلمهما أبو بكر و أنبهما فبايعاه طواعية من دون إكراه [3] .
و الرواية الثانية ذكرت أنه لما تأخر علي و الزبير عن بيعة أبي بكر العامة في المسجد، طلبهما أبو بكر، فلما حضرا أخبراه بأنهما غضبا لأنهما أُخرا عن المشورة يوم السقيفة، ثم بايعاه و أبلغاه بأنهما يريان أنه-أي أبو بكر- هو أحق الناس بالخلافة، و أنه لصاحب الغار، و أنهما ليعرفان شرفه و خيره، و لقد اَمَره رسول الله-صلى الله عليه و سلم- أن يُصلي بالناس [4] .
و الرواية الثالثة مفادها أنه لما تُوفي رسول الله -عليه الصلاة و السلام- بليال قليلة صلى أبو بكر بالناس صلاة العصر، فكان علي من بين الذين صلوا خلفه، فلما انقضت الصلاة، التقيا وخرجا معا من المسجد يمشيان و يتبادلان الحديث و يضحكان [5] . فهذه الحادثة دليل دامغ على أن الرجلين ما كانا متخاصمين، و قد حدثت بعد أيام قليلة من وفاة رسول الله و بيعة الناس لأبي بكر، فلو كان أبو بكر قد اعتدى على بيت علي، أو أن عليا قد اعتزله و أحس أن أبا بكر قد أخذ حقه، ما حدث ذلك اللقاء الأخوي بين الرجلين.
و الرواية الرابعة مفادها أنه لما بايع الناس أبا بكر البيعة العامة بالمسجد، ذهب أبو سفيان إلى علي بن أبي طالب، و حاول إثارته على أبي بكر و قبيلته تيم، باستخدام النعرة القبلية، فرده علي بحزم و قوة، و قال له: (( لطالما عاديت الإسلام و أهله يا أبا سفيان، فلم يضره ذلك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا ) ) [6] .
و بذلك يتبين أن عليا قد بايع أبا بكر عندما بايعه الناس البيعة العامة، بالمسجد، بايعه من دون إكراه، و لم يتأخر عن بيعته أياما، ولا شهرا، و لا ستة أشهر، و إنما تماطل هو و الزبير لأنهما
(1) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 18، 19، 20، 21، 22.
(2) صححتها المصادر التي رجعتُ إليها، و سنذكرها عند ذكر كل رواية إن شاء الله تعالى.
(3) عبد الله بن أحمد: السنة، ج 2 ص: 154. البيهقي: السنن الكبرى، حققه عبد القادر عطا، دار الباز، مكة، 1994، ج 8 ص: 183. و ابن كثير: البداية، ج 5 ص: 261. و الذهبي: الخلفاء الراشدون، حققه حسام الدين القدسي، ط 1 دار الجيل، بيروت، 1992، ص: 6. و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص: 69.
(4) الذهبي: نفس المصدر، ص: 8. و ابن كثير: نفس المصدر، ج 5 ص: 262. و السيوطي: نفس المصدر، ص: 152.
(5) البخاري: الصحيح، ج 3 ص: 1036، 1370. و أحمد بن حنبل: المسند، ج 1 ص: 8.
(6) السيوطي: المصدر السابق، ص: 67.