بحث و اجتهاد لتمييز صحيحها من سقيمها. و مقالنا هذا مساهمة منا لدراسة هذا الكتاب لتقديم دراسة نقدية عامة عنه، قصد الكشف عن جوانب من أخطائه و نقائصه، و التعرف على مؤلفه الحقيقي.
اعتمد المؤلف في كتابة تاريخه على راويين اثنين صرّح بالتحديث عنهما سماعا، الأول هو: سعيد بن كثير بن عفير المصري (ت 226 ه) ،و قد اعتمد عليه اعتمادا أساسيا في تدوين كتابه، فمعظم أخباره رواها عنه. و الثاني هو: ابن أبي مريم، اعتمد عليه بدرجة أقل بكثير من الأول. و في اعتماده عليهما لم يُكثر من ذكر أسانيد الأخبار التي رواها عنهما، و قد ذكر بعضها في خمسة مواضع [1] ، و اكتفى في الغالب بقوله: (( قال: و ذكروا ) ) [2] .
ففيما يخص الإسناد الأول فقد ذكره المؤلف بقوله: (( عن ابن أبي مريم، قال: حدثنا العرياني، عن أبي عون بن عمرو بن تيم الأنصاري رضي الله عنه ) ) [3] . و يُعتبر المؤلف أول رجال الإسناد لأنه عنعن بقوله: عن ابن أبي مريم، و بما أن الكتاب منسوب إلى ابن قتيبة، فيجب ذكر حاله على ضوء ميزان الجرح و التعديل، فهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد سنة 213 هجرية، كان على مذهب السلف، سكن بغداد و روي فيها مؤلفاته إلى حين وفاته سنة 276 هجرية. و لا يُوجد من بين شيوخه- الذين روى عنهم- ابن أبي مريم [4] .
و أما الراوي الثالث، و هو ابن أبي مريم، فإن المؤلف ذكر اسمه ناقصا مُبهما، فكان عليه أن يُميزه، لأنه توجد جماعة من الرواة يُعرفون بابن أبي مريم، كسعيد بن أبي مريم، و صالح بن أبي مريم، و عبيد بن أبي مريم، و مالك بن أبي مريم [5] . لكن الراجح أنه يٌقصد الأول، و هو أبو محمد سعيد بن أبي مريم المصري (144 - 224 ه) ، سكن مصر، و كان ثقة. و لا يُوجد من بين شيوخه من يُعرف بالعرياني، و لم يُذكر أن ابن قتيبة من بين الذين رووا عنه [6] . علما بأنه من المستبعد أن يروي ابن قتيبة
(1) سيأتي.
(2) أنظر مثلا: الإمامة و السياسة، موفم للنشر، الجزائر، 1989، ج 1 ص: 44، 48، 51، 54، ج 2 ص: 1، 85، 96.
(3) نفس المصدر، ج 1 ص: 5.
(4) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية، بيروت، دت، ج 10 ص: 170.و الذهبي: سير أعلام النبلاء، ط 9، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413 ج 13 ص: 296. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب دار ابن كثير، دمشق، ج 3 ص: 319. و أبو الحجاج المزي: تهذيب الكمال، حققه بشار عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1980، ج 10، ص: 319.
(5) أنظر مثلا: الذهبي: الكاشف، حققه محمد عوامة، ط 1، دار الثقافة الإسلامية، 1413 جدة، ج 1 ص: 433، 692، ج 2 ص: 236.
(6) المزي: تهذيب الكمال، ج 10 ص: 390، 391، ج 27 ص: 536، 537.