و تغليطا، حتى انه جعل الراوي المجهول أبا عون عمرو بن عمرو بن عون، جعله مرة صحابيا شاهد عيان، و مرة أخرى جعله شيخا لابن عفير!!.
و ثالثا إن الطريقة التي اتبعها هذا المؤلف في ذكره للأسانيد، هي طريقة غير علمية، و ليست صحيحة، فهو عندما ذكر آلاف الروايات في كتابه الإمامة و السياسة لم يُوثقها بأسانيدها، و إنما ذكر منها خمسة أسانيد فقط، و وثق الباقي بقوله: (( قال: و ذكروا ... ) )، و هذه الطريقة لا يقبلها علم الجرح و التعديل و مخالفة له [1] . فكان من اللازم عليه أن يذكر لكل خبر رواته، كما فعل الطبري في تاريخه، و الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، و ابن عساكر في تاريخ دمشق. و أما اكتفائه بقوله: (( قال: و ذكروا ... ) )، فهذا ليس من المنهج العلمي الصحيح في شيء، و هو طريقة من طرق التضليل و التلاعب بالأسانيد، فمن هؤلاء الذين ذكروا؟؟، فنحن نريد أن نعرف هؤلاء، و هو بهذه الطريقة قد حرمنا من إمكانية تحقيق أخباره تحقيقا إسناديا كاملا من جهة، و فتح لنفسه مجالا واسعا للتصرف في الروايات التاريخية: تدليسا و تغليطا، تحريفا و تلاعبا، من جهة أخرى.
و رابعا إن كتابا حال أسانيده كما رأينا، يعني أنه كتاب فقد الركيزة الأساسية التي يقوم عليها، و من فقد ذلك فهو كتاب مطعون فيه و في مؤلفه، فهو فاقد للتوثيق العلمي الصحيح، كثير الأباطيل قليل الحقائق، مشكوك في أخباره، لا يُعتمد عليه إلا بعد تحقيق رواياته و مقارنتها بروايات الثقات من الرواة و المؤرخين.
توجد في كتاب الإمامة و السياسة -المنسوب لابن قتيبة- أخبار تاريخية كثيرة غير صحيحة، نذكر منها طائفة ننقدها إسنادا و متنا، و هي تتوزع على ثلاثة مجموعات، الأولى تتعلق بموضوع الخلافة، و تتضمن أربعة أخبار، أولها ذكر فيه المؤلف أنه لما اقترب أجل النبي-عليه الصلاة و السلام التقى العباس بعلي -رضي الله عنهما- و قال له: (( إن النبي -صلى الله عليه و سلم- يُقبض، فاسأله إن كان الأمر لنا بينه، و إن كان لغيرنا أوصى بنا ) ) [2] .و نقدنا لخبره هذا يتمثل في أن المؤلف تصرّف في الخبر، و أنقص منه ما لا يتفق مع مذهبه. و الخبر الكامل كما ورد عند البخاري هو كالآتي: (( حدثني إسحاق أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة قال: حدثني أبي عن الزهري قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري -وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- أن عبد الله بن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟
(1) أنظر مثلا: محمود الطحان: أصول التخريج و دراسة الأسانيد، مكتبة المعارف، الرياض، 1996، ص: 181 و ما بعدها.
(2) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 7.