الصفحة 7 من 28

فقال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، و أني والله لأرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول- الله صلى الله عليه وسلم- فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، و اين والله لا أسألها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- )) [1] .

فواضح من نص البخاري أن مؤلف الإمامة و السياسة حذف رد علي على العباس، و هو جواب صريح بأن عليا لم يكن يعتقد بأن الخلافة له و لا لأهل بيته، لكن المؤلف حذف ذلك الرد لأنه سيذكر بعد ذلك أخبارا منسوبة إلى علي يُصرّح فيها بأنه أحق بالخلافة من كل الصحابة. فهذا المؤلف ليس أمينا في النقل، فهو يتصرف في الأخبار حسب هواه.

و الخبر الثاني مفاده أن المؤلف ذكر أن عليا-رضي الله عنه- كان يعتقد بأنه أحق بالخلافة، و أن حقه اُغتصب منه، و أعلن ذلك للناس صراحة بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام- [2] . و خبره هذا غير صحيح، ترده النصوص الشرعية، و الروايات التاريخية الصحيحة، فمن ذلك أن القرآن الكريم قد حسم مسألة الخلافة حسما نهائيا لا كلام بعهده، عندما جعلها شورى بين المسلمين بالاختيار، و لم يجعلها في بيت، و لا في قبيلة، و لا في شخص أو أشخاص مُعينين، و ذلك في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} - سورة الشورى/38 - ، و {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} - سورة النساء/59 - ، و بناء على ذلك فإن كل الروايات الحديثية و التاريخية التي تخالف ما نصت عليه هاتان الآيتان فهي باطلة، حتى و إن عدد الكذابون طرقها إلى آلاف الطرق.

و مما يُبطل ذلك أيضا أنه قد ثبُت في السنة النبوية و التاريخ معا أن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- تُوفي و لم يُوص بالخلافة لأحد من الصحابة من بعده. و لا يُوجد حديث صحيح فيه النص على إمامة علي المزعومة، و قد أجمع أهل الحديث على بطلان ما يُروى من أحاديث في إمامته [3] . و

(1) البخاري: الصحيح، حققه ديب البغا، ط 3، دار ابن كثير، بيروت، 1987،ج 5 ص: 2311، رقم الحديث: 5911.

(2) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 8، 18، 19، 227، 228، 229.

(3) أنظر: ابن كثير: البداية و النهاية، مكتبة دار المعارف، بيروت، دت، ج 5 ص: 263. الضياء المقدسي: الأحاديث المختارة، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، 1410، ج 2 ص: 263. و ابن تيمية: منهاج السنة، حققه محمد رشاد سالم، ط 1، مؤسسة قرطبة، القاهرة، 1406، ج 8 ص: 362. و السيوطي: تاريخ الخلفاء، حققه محي الدين عبد الحميد، ط 1، مطبعة السعادة، مصر، 1952، ص: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت