من ثم فلا يصح أن يُقال: إن عليا كان يرى أنه أحق بالخلافة من غيره، بما أن الشرع قد حسم مسألة الإمامة حسما و جعلها شورى بين المسلمين.
و مما يُبطل دعوى المؤلف أيضا، أنه قد صحت أخبار تاريخية دلت على أن عليا لم يكن يعتقد أنه أحق بالخلافة، و لا أنه هو الإمام المنصوص عليه شرعا الواجب طاعته، أذكر منها الشواهد الآتية: أولها إنه ثبت في صحيح البخاري و غيره، أنه في الأيام الأخيرة قبيل وفاة رسول الله -عليه الصلاة و السلام- قال العباس لعلي: إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا النبي-صلى الله عليه وسلم - فلنسأله فيمن هذا الأمر؟، إن كان فينا علمنا ذلك، و إن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: لا و الله، لئن سألناها رسول الله-صلى الله عليه و سلم- فمنعناها، لا يُعطيناها الناس من بعده أبدا، و إني و الله لا أسألها رسول الله-صلى الله عليه و سلم [1] -.
و الشاهد الثاني يتمثل في خبر-إسناده حسن- مفاده أن علي بن أبي طالب يوم الجمل (سنة 36 ه) اعترف أمام جيشه بأن النبي-عليه الصلاة و السلام-، لم يعهد إليه في الإمارة شيئا، و أن عمله هذا اجتهاد منه و رأى اختاره [2] .
و الشاهد الثالث هو أنه صحّ الخبر أن عليا- رضي الله عنه- كان يقول أمام الناس في الكوفة: (( خير الناس بعد الرسول-صلى الله عليه و سلم-: أبو بكر و عمر ) ) [3] . فتفضيله لأبي بكر و عمر على نفسه في الخيرية دليل قوي على أنه لم يكن يرى أنه أحق بالخلافة منهما.
و الشاهد الرابع يتمثل في أنه تواترت الأخبار عن أعيان آل البيت كابن عباس، و الحسن، و الحسين، و ابن الحنفية، و محمد الباقر، و جعفر الصادق، بأنهم كانوا يُوالون أبا بكر و عمر، و يُفضلونهما عن علي بن أبي طالب،.و قالوا بأن الرسول-صلى الله عليه و سلم- لم يُوص بالخلافة لأحد من بعده [4] . فلو كان علي يعتقد أنه أحق بالخلافة من أبي بكر و عمر، و أنهما اغتصبا حقه، لقال آل البيت بقوله، و ما شهدوا بالذي نقلناه عنهم.
(1) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 1615، ج 5 ص: 2311. و أحمد بن حنبل: المسند، مؤسسة قرطبة، القاهرة، ج 1 ص: 263. و الطبري: تاريخ الطبري، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407، ج 2 ص: 229.
(2) أنظر: الخلال: السنة، حققه عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، 1410، ج 1 ص: 289، 291. و عبد الله بن احمد بن حنبل: السنة، حققه محمد القحطاني، ط 1، دار ابن القيم / الدمام، 1406، ج 2 ص: 570، 578. و الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 1 ص: 160. و ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة، حققه عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1997، ج 1 ص: 269، 570.
(3) الخلال: نفسه، ج 1 ص: 289، 291. و عبد الله بن أحمد: نفس المصدر، ج 2 ص: 578.
(4) الذهبي: السير، ج 4 ص: 401. و ابن تيمية: منهاج السنة ج 7 ص: 396. و الهيثمي: الصواعق المحرقة، ج 1 ص: 162 و ما بعدها. و البيهقي: شعب الإيمان، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1410، ج 1 ص: 197.