عَرّف مؤلف كتاب الإمامة و السياسة بنفسه في مقدمة كتابه، عندما قال: (( قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، رحمه الله تعالى: ... ) ) [1] . فهل صحيح أن مؤلف هذا الكتاب هو ابن قتيبة؟، إنه توجد شكوك قوية تحوم حول مؤلف هذا الكتاب، و نسبته إلى ابن قتيبة السني البغدادي (213 - 276 ه) غير ثابتة، و الشواهد المرجحة على أنه ليس من مؤلفاته كثيرة و متنوعة، نذكر منها طائفة.
فمن حيث الإسناد فإن المؤلف نقل معظم أخباره عن راويين، هما: سعيد بن كثير بن عون، و ابن أبي كريمة، و قد صرّح بالسماع منهما، و سماعه منهما غير ثابت و مستبعد جدا، و هذا أمر سبق إثباته و توثيقه في المبحث الأول [2] . الأمر الذي يدل على أن مؤلف كتاب الإمامة و السياسة غير ثقة، يتعمد التغليط و التحريف، و هذا لا يصدق على ابن قتيبة الحقيقي، المعروف بأنه ثقة ديّن، على مذهب السلف [3] .
و أما الشواهد الأخرى المتعلقة بمتن الكتاب و مؤلفه، فأولها إن المصادر التاريخية التي ترجمت لابن قتيبة- التي اطلعت عليها- لم تذكر له كتابا عنوانه: الإمامة و السياسة، و قد ذكر له ابن النديم قائمة طويلة جدا من مؤلفاته لا يوجد من بينتها هذا الكتاب [4] .
و ثانيها -أي الشواهد- إن في الكتاب طعنا كبيرا في الصحابة، بطريقة خفية و ظاهرة، و هذا يتناقض مع مذهب ابن قتيبة السني، كما أن أمثال هذه الأخبار لا نجدها في كتب ابن قتيبة، كالمعارف و عيون الأخبار، أما كتاب الإمامة و السياسة فمملوء بذلك [5] .
و الشاهد الثالث هو إني بحثتُ في مئات المصنفات التراثية المتقدمة -عن طريق الحاسب الآلي- و لم أعثر على أي ذكر لهذا الكتاب منسوبا لابن قتيبة، و لا لغيره، مما يعني أنه لم يكن معروفا بين أهل العلم في العصر الإسلامي زمن ابن قتيبة، و لا القريب منه، و هذا يُرجح بقوة بأن الكتاب ظهر متأخرا بعد وفاة ابن قتيبة بزمن طويل.
و الشاهد الرابع هو وجود نزعة شيعية ظاهرة في كتاب الإمامة و السياسة، و هذا أمر يتناقض مع مذهب ابن قتيبة السني، و قد أظهر المؤلف تشيعه بتركيزه على ثلاثة أمور، أولها الطعن في الصحابة كما سبق أن ذكرناه. و ثانيها الزعم بأن عليا -رضي الله عنه- رفض بيعة أبي بكر -رضي الله عنه-
(1) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 1.
(2) أنظر أيضا: أبو بكر ابن العربي: العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، هامش ص: 209.
(3) الذهبي: السير، ج 13 ص: 296.
(4) أنظر: ابن النديم: الفهرست، دار المعرفة، بيروت، 1978، ج 1 ص: 115. و الذهبي: السير، ج 13 ص: 296 و ما بعدها. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 3 ص: 318.
(5) أنظر مثلا: ج 1 ص: 14 و ما بعدها، 66، 67.