الحديث: إنه كذاب متروك، ليس بثقة، كان متخصصا في الكذب يتفرغ له في الصباح [1] . فهذا الإسناد إذا لا يصح.
و أما متنا فهو ظاهر البطلان، لأن المؤلف جعل أول خليفة عباسي أبا العباس السفاح، جعله شخصيتين، هما: أبو العباس، و هو الخليفة، و السفاح، و هو والي الشام، فخرج هذا الأخير على الأول بالسلاح. و هذا زعم باطل، لأن الثابت المتواتر هو أن هذين الرجلين هما شخصية واحدة، هي: أبو العباس السفاح، أول خليفة عباسي. فهذا المؤلف إما أنه جاهل بما يكتب، و إما أنه يتعمد التحريف و التلاعب بالروايات، و لا يصح أن يُقال: إنه ربما نسي أو أخطأ، لأنه كرر الخطأ مرارا و خصص له مبحثا عنوانه: خروج السفاح على أبي العباس و خلعه. و لأن تحريفه هذا ليس من الأمور التي تُنسى و لا يُتنبه لها، خاصة و أنه كرر الخطأ مرارا. و لأنه أيضا سيقع في أخطاء مماثلة مرتبطة بحوادث أخرى، سنذكر بعضها فيما يأتي.
و الخبر السادس ذكر فيه المؤلف أنه لما تُوفي الخليفة العباسي المهدي سنة 173هجرية، استخلف ابنه هارون الرشيد [2] . و خبره هذا غير صحيح تماما، لأن المهدي توفي سنة 169هجرية، فخلفه ابن موسى الهادي و ليس هارون الرشيد، فلما توفى الهادي سنة 170 خلفه أخوه هارون، و ليس في سنة 173هجرية [3] .فالمؤلف أخطأ في ثلاثة أمور، أولها في سنة وفاة المهدي، و ثانيها في سنة تولي هارون الرشيد الخلافة، و ثالثها في إغفال الهادي و إسقاطه من قائمة خلفاء بني العباس.
و أما الخطأ الأخير-السابع من المجموعة الثالثة- فمفاده أن المؤلف ذكر أن هارون الرشيد كتب ولاية العهد- من بعده- لابنه المأمون أولا، ثم للأمين ثانيا. و ذكر أيضا أن هذا الأخير-أي الأمين-هو الذي خرج على أخيه بالسلاح [4] . و خبره هذا غير صحيح تماما، تخالفه الروايات التاريخية المعروفة، من أن الرشيد أوصى بولاية العهد لابنه الأمين، ثم للمأمون، و أن المأمون هو الذي خرج على أخيه بالسلاح عندما أسقطه أخوه من ولاية العهد [5] .
و ختاما لهذا المبحث يتبين أن كتاب الإمامة و السياسة، مليء بالأخطاء التاريخية الظاهرة منها و الخفية من جهة، و خالٍ من نقد الأخبار و تمحيصها من جهة أخرى، فكان مؤلفه جامعا للأخبار ساردا لها، متلاعبا بكثير منها و محرفا لها.
(1) ابن حجر: لسان الميزان، ج 6 ص: 209. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 3 ص: 34.
(2) الإمامة و السياسة، ج 2 ص: 267.
(3) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 2 ص: 305، 310، 314، 319.
(4) الإمامة و السياسة، ج 2 ص: 218.
(5) أنظر مثلا: الطبري: تاريخ الطبري، ج 4 ص: 650 و ما بعدها. و ابن العماد الحنبلي: المصدر السابق، ج 2 ص: 440 و ما بعدها.