و بما أن أبو معشر هذا صرّح بالسماع من محمد بن عمرو بن حزم، فهذا دليل على أن الإسناد منقطع بينه و بين مؤلف الكتاب لأن ابن حزم هذا قُتل سنة 63هجرية، و مؤلف الكتاب - المزعوم بأنه ابن قتيبة- ولد سنة 213هجرية، فالفارق الزمني بينهما: 150 سنة، و هذا فارق كبير يتطلب راويين على الأقل.
و أما الأمر المستحيل الذي يتضمنه الخبر فهو أن الراوي أبا معشر صرّح بالتحديث و السماع من محمد بن عمرو بن حزم في ذكره لمجموع قتلى وقعة الحرة، و بما أن محمد بن عمرو هذا كان من رؤؤس الثائرين على بني أمية، و المقاومين لجيشهم، و قد قتل في المعركة، و بعد مقتله تعرّضت المدينة للقتل و النهب و الاستباحة [1] . فإنه من المستحيل أن يسمع أبو معشر من محمد بن عمرو لأنه قُتل أثناء المعركة فكيف يسمع منه؟!، و لأن محمدا هذا قُتل أثناء القتال، فكيف يستطيع معرفة مجموع قتلى وقعة الحرة؟!، فهذا أمر لا يمكن أن يعرفه إلا من بقي حيا بعد انتهاء المعركة.
و الغريب في الأمر أن مؤلف الكتاب قبل أن يذكر ذلك الخبر المروي عن أبي معشر عن محمد بن عمرو عن مجموع قتلى الحرة، كان قد ذكر صراحة أن محمد بن عمرو بن حزم كان من قادة المقاومين للجيش الأموي، و قُتل في وقعة الحرة، فلما قُتل أنهزم جيش المدينة، و دخلها الجيش الأموي قتلا و نهبا [2] . ثم بعد أكثر من 20 صفحة يعود و يذكر ذلك الخبر عن عدد قتلى وقعة الحرة المروي عن محمد بن عمرو، من دون أي حرج و لا تعليق، و كأن الأمر عادي للغاية لا استحالة فيه و لا تناقض. فهذا المؤلف إما أنه لا يعي ما يقول، و إما أنه يتعمد التحريف و التلاعب بالروايات لغايات في نفسه يسعى إلى تحقيقها، و لا يهمه بعد ذلك أأصاب أم أخطأ في كتابته للتاريخ.
و أما الخبر الخامس فمفاده أن المؤلف قال: (( قال: و ذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم، قال: لما ولى السفاح الشام و استصفى أموال بني أمية لنفسه، أعجبته نفسه و حسد ابن أخيه على الخلافة، فأظهر الطعن في أبي العباس ) )، ثم واصل المؤلف كلامه عن الخلاف بين الرجلين، و الحرب التي جرت بينهما، و انتصار أبي العباس على السفاح، و قد تناول هذا الموضوع تحت عنوان: خروج السفاح على أبي العباس و خلعه [3] . و خبره هذا باطل من أساسه، و هو من أغرب الأخطاء التي وقعت في كتابة التواريخ، و لا يصح الوقوع فيه أبدا، و هولا يصح إسنادا و لا متنا، فمن حيث الإسناد إنه-أي المؤلف- قال: (( قال: و ذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم ... ) )، فمن هؤلاء الذين ذكروا؟، لا جواب، إنهم مجهولون!. و هذا الهيثم بن عدي الذين رووا عنه، هو أخباري قال عنه بعض نقاد
(1) ابن عبد البر: الاستيعاب، ج 3 ص: 1374 و ما بعدها. و ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 1 ص: 284.
(2) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 312.
(3) نفس المصدر، ج 2 ص: 218.