الصفحة 26 من 28

، ثم للمأمون ثانيا، فلما تُوفي الرشيد، تولى الأمين الخلافة، و نقض عهد والده، فأبعد أخاه المأمون و ولى مكانه ابنه موسى [1] .

و آخرها -أي الخطأ الخامس- ذكر فيه مؤلف الإمامة و السياسة، أن النزاع بين الأخوين الأمين و المأمون بدأ مباشرة بعد موت الرشيد، فنازع الأمين أخاه المأمون على الخلافة، مما جعل المأمون يدخل قصر الخلافة ببغداد، و يقبض على أخيه و يسجنه، لكن الأمين تمكن من الفرار من السجن، فأرسل المأمون من قبض عليه و قتله، و لم يذكر أية حروب وقعت بين الأخوين [2] . و خبره هذا خطأ واضح بيّن، لم يقع فيه ابن قتيبة الحقيقي، الذي ذكر صراحة أن الأمين هو الذي تولى الخلافة بعد الرشيد و ليس المأمون، و بعد سنة تنكر الأمين لأخيه، و بعد عامين من وفاة الرشيد أرسل الأمين جيشا لمحاربة المأمون الذي كان مقيما بخُراسان و ليس ببغداد مع أخيه في القصر، فدخل الأخوان في حروب طاحنة استمرت إلى سنة 198 هجرية، انتهت بقتل الأمين على أيدي جنود المأمون [3] .

و بذلك يتبين أن نسبة كتاب الإمامة و السياسة إلى ابن قتيبة، هي نسبة غير ثابتة، و لا تصح إسنادا و لا متنا و لا تاريخا، و إنما هو كتاب مؤلفه مجهول، أخفى شخصيته لتحقيق أهداف مذهبية مُخطط لها سلفا، انطلاقا من خلفيته المذهبية، فما هي هذه الخلفية؟.

إنه قد تبين لي من قراءتي النقدية لكتاب الإمامة و السياسة، أن مؤلفه شيعي، كثيرا ما أخفى مذهبه من جهة، لكنه أطهره في مواضع ليست قليلة من جهة ثانية. فمن مظاهر إخفاء مذهبه إنه نسب كتابه إلى عالم سني ثقة مشهور، هو ابن قتيبة. و لأنه أيضا حرص كثيرا على الترضي على الصحابة، حتى و إن كان يطعن فيهم [4] . و يجب أن لا يخدعنا بتلك العبارة المعسولة في ترضيه على الصحابة، فهو يفعل ذلك من جهة، و يطعن فيهم من جهة أخرى. و هذه طريقة اتبعها المؤلف لبلوغ ما خطط له سلفا، و هي مظهر من مظاهر ممارسة التقية.

و أما الشواهد التي تُظهر تشيعه، فأولها يتعلق بموضوع الخلافة، و ذلك أنه ذكر مرارا أن عليا كان يعتقد أنه أحق بالخلافة من كل الصحابة، و أنه احتج على بيعة الناس لأبي بكر، و امتنع هو من مبايعته، و لم يُبايعه إلا مضطرا [5] . لكنه من جهة أخرى لم يذكر الروايات الصحية الثابتة عن علي و آل بيته التي تخالف ما ادعاه، و تُثبت أن هؤلاء كانوا يعترفون بخلافة الشيخين، و أنهم لم يقولوا أنهم

(1) ص: 88.

(2) الإمامة و السياسة، ج 2 ص: 306.

(3) المعارف، ص: 88.

(4) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 3، 14، 16، 18، 19، 22.

(5) سبق توثيق ذلك في المبحث الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت