صاحب الإمامة و السياسة، ليسوا منافقين بشهادة القرآن الكريم و السنة النبوية، فالزبير و طلحة و علي-رضي الله عنهم- من العشرة المبشرين بالجنة المشهود لهم بها، و هم من الذين قال الله تعالى فيهم: (( - {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} - سورة التوبة/100 - .و عائشة- رضي الله عنها - هي من أمهات المؤمنين اللائي قال الله تعالى فيهن: (( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و أزواجه أمهاتهم ) )-سورة الأحزاب/6 - . فهؤلاء الصحابة كلهم كانوا مؤمنين مشهود لهم بالإيمان، و ليسوا من المنافقين، و من ثم فليسوا هم الذين ثاروا على عثمان، و لا هم الذين قتلوه، لأن الذين فعلوا ذلك نص الحديث على أنهم من المنافقين.
و أما الخبر الأخير -الثامن من المجموعة الثانية- فيتعلق بموقف علي من التحكيم في موقعة صفين، فذكر المؤلف أنه لما اشتد الحال على أهل الشام في وقعة صفين، رفعوا المصاحف و دعوا إلى الاحتكام إلى كتاب الله، فرفض علي توقيف القتال، و حذّر أتباعه من توقيفه لأنه مكيدة، لكن طائفة من أتباعه من اليمنية و غيرهم طالبته بوقف القتال و قبول الصلح، فقبله علي مُضطرا رغم معارضة القراء له في قبوله للصلح [1] . فهذا الخبر نص صراحة على أن عليا - رضي الله عنه- قبل التحكيم مُضطرا بسبب ضغوط طائفة من أتباعه، على رأسهم اليمنية الممثلة في زعيمها الأشعث بن قيس [2] . و هو خبر تقابله روايات أخرى ذكرها الطبري عن الأخباري أبي مخنف لوط بن يحيى، مفادها أن الذي أضطر عليا على قبول الصلح و التحكيم هم القراء - الخوارج فيما بعد- و ليس اليمنية، و قد هددوه بالانقلاب عليه إن لم يُوافق، ثم بعد التحكيم خرجوا عليه و حاربوه [3] .
فهل ما ذكرته هذه الروايات -عن موقف علي- صحيح؟، إنه ليس صحيحا، لأن هذه الروايات لا تصح إسنادا و لا متنا، فإسناد كتاب الإمامة و السياسة غير صحيح، لأن أسانيده بينا أنها غير صحيحة. و أما أسانيد روايات الطبري فمن رجالها: أبو مخنف لوط بن يحيى، قال فيه نُقاد الحديث: أخباري تالف، ضعيف لا يُوثق به، شيعي مُحترق ليس بشيء [4] .
و أما متنا فتلك الروايات تردها رواية صحيحة، نصت صراحة على أن عليا قبل التحكيم طواعية من دون ضغوط من أي طائفة، و قد قبله عن اقتناع بناء على ما يأمر به الشرع من الجنوح إلى السلم و الصلح بين المسلمين. و نصها الكامل هو: (( حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يعلي بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء
(1) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 190، 231.
(2) نفسه، ج 1 ص: 190.
(3) الطبري: تاريخ الطبري، ج 3 ص: 101 و ما بعدها.
(4) ابن حجر: لسان الميزان، ج 4 ص: 492.