و أما الراوي الثاني، و هو الحارث بن خفيف، فيبدوا أنه مجهول، لأنني لم أعثر له على ترجمة، و لا على جرح و لا تعديل، في كتب التراجم و التواريخ، و لا في مصنفات الجرح و التعديل. و هذا فضلا على أن الحبر فيه انقطاع، لأن المؤرخ ابن شبة لم يُصرح فيه بالسماع من ابن دأب، الذي هو بدوره لم يصرح بالسماع من الحارث بن خفيف.
و أما إسناد ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد، فهو لا يصح أيضا، لأنه لا يُوجد فيه إلا راوٍ واحد مجهول، لم يُسميه المؤلف، و اكتفي بقوله: عن رجل من ليث [1] . و هذا إسناد وجوده و عدم وجوده سيان.
و بالنسبة للمتن، فهو أيضا لا يصح، ترده طائفة من الأخبار الصحيحة، منها ما صح عن عائشة أم المؤمنين -رضي اله عنها- أنها قالت عن عثمان: (( قُتل مظلوما، لعن الله من قتله ) ) [2] . و صح عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه أنكر قتل عثمان، و نفى أن يكون له أي دور في قتله، من ذلك أنه قال يوم مقتل عثمان: (( اللهم لم أقتل و لم أمال ) ) [3] . و كان يقسم بالله بأنه لم يقتل عثمان، و لا أمر بقتله، و لا رضي به، و قد نهى عنه فلم يُسمع منه. و ذكر ابن كثير أن ذلك ورد عن علي من عدة طرق تُفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث [4] .وكان هو و عائشة يلعنان [5] قتلة عثمان [6] . و قد صح! الخبر أنه قال: (( و الله ما قتلت عثمان، و لا أمرتُ بقتله، و لكن غُلبت ) ) [7] .
و منها أيضا أنه قد صحّ عن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- أنه قال لعثمان: (( يا عثمان إن الله مُقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على أن تخلعه فلا تخلعه ) ) [8] . فهذا الحديث الشريف نص على أن الذين ثاروا على عثمان و قتلوه هم منافقون. و الصحابة الذين اتهمهم الخبر الذي ذكره
(1) العقد الفريد، ج 2 ص: 93.
(2) هذا الخبر صحيح الإسناد، على ما ذكره الهيثمي. مجمع الزوائد، ج 9 ص: 97.
(3) الخلال: السنة، ج 2 ص: 328.
(4) البداية، ج 7 ص: 193.
(5) الخبر صحيح، و رجاله: عبد الله بن أحمد بن حنبل، و أبوه أحمد، و محمد بن الحنفية، و أبو معاوية، الضرير، و أبو مالك الأشجعي، و سالم بن أبي الجعد، و الثلاثة الأوائل، ثقات، و الباقون هم أيضا ثقات. انظر: الذهبي: السيّر، ج 3 ص: 249، ج 6 ص: 184، 249، ج 5 ص: 108.
(6) أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، حققه محمد عباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1983 ج 1 ص: 455.
(7) رجاله هم: عبد الرزاق بن همام، و معمر بن راشد، و عبد الله بن طاوس، و أبوه طاوس، الأولان ثقتان مشهوران، و الأخيران هم أيضا ثقتان. انظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب، ط 1، دار الفكر، بيروت ج 5 ص: 234. و التقريب، ج 1 ص: 281. ابن كثير: البداية، ج 7 ص: 193.
(8) أحمد بن حنبل: المسند، ج 6 ص: 86، 149. و أبو بكر الخلال: السنة، ج 2 ص: 321، و 326. و ابن ماجة: السنن، ج 1 ص: 41. و الألباني: الجامع الصغير، المكتب الإسلامي، بيروت، ج 1 ص: 1391.