و خبره هذا لا يصح إسنادا و لا متنا، فأما إسنادا فقد سبق أن بينا أن أسانيد كتاب الإمامة و السياسة غير صحيحة. و قد عثرتُ على تلك الرسالة -أي رسالة عقيل لأخيه- مُسندة عند المؤرخيّن المسعودي، و أبي الفرج الأصفهاني، الأول ذكرها بإسناد لا يصح، لأن من رجاله أبو مخنف لوط بن يحي، و هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فأبو مخنف قال فيه نقاد الحديث: ضعيف، أخباري تالف لا يُوثق به، شيعي محترق ليس بشيء [1] . و هشام قال فيه نقاد الحديث: كذاب يروي الأخبار الموضوعة [2] . و أما الثاني-أي أبو الفرج الأصفهاني- فإسناده هو أيضا لا يصح، لأن من رجاله: أبو مخنف لوط بن يحي، و هو ضعيف مجروح، و قد سبق ذكر حاله.
و أما متنا فالشاهد على عدم صحته أمران، أولهما إن تلك الرسالة ذكرت أن عقيلا التقى في الطريق بعبد الله بن سعد بن أبي سرح مع طائفة من الأمويين الطلقاء، كانوا متوجهين إلى معاوية، فكلمهم و خاصمهم و ذمهم. و هذا أمر غير ثابت لأن الأصح هو أن عبد الله بن أبي سرح عندما سمع بمقتل عثمان، اعتزل الفتنة و لم يلحق بعلي و لا بمعاوية، و هرب إلى الرملة بفلسطين، فبقي بها إلى أن مات سنة 36 قبل معركة صفين [3] .
و الأمر الثاني هو أن تلك الرسالة ذكرت أن عقيلا كان قد أنكر على الجماعة التي التقى بها ذاهبة إلى معاوية و خاصمها، و أعلن صراحة لأخيه علي بأنه مُستعد للتضحية بنفسه و ولده و إخوته من أجل نصرته، إذا كان هو في حاجة إليه، فرد عليه بأنه ليس في حاجة إلى ذلك. و هذا خبر لا يصح، لأن الثابت تاريخيا هو أن عقيلا نفسه ذهب إلى معاوية و ترك أخاه عليا. فعل ذلك عندما سأل أخاه أن يُعطيه مالا، فلما اعتذر له بأنه لا يتوفر لديه مال الآن، و طلب منه الانتظار حتى يخرج عطاؤه فيعطيه له، لم يصبر عقيل و التحق بمعاوية، فأعطاه ما يحتاجه من المال [4] .
فهل رجل هذا حاله و موقفه، يصح أن يُقال: إنه صاحب تلك الرسالة التي قيل أن عقيلا أرسلها إلى علي؟!. إنه لم يستطع أن يصبر إلى حين إخراج العطاء، و التحق بمعاوية خصم أخيه!!، إن من لم يستطع أن يصبر على ذلك، فإنه لا يستطيع أن يضحي بنفسه و ولده و إخوته لنصرة أخيه. و الغريب في الأمر أن مؤلف الكتاب الذي ذكر حكاية رسالة عقيل لأخيه علي، عاد بعد أكثر من 35
(1) لسان الميزان، ج 4 ص: 492.
(2) الذهبي: السير، ج 10 ص: 102، 102. و ميزان الاعتدال، ج 6 ص: 161، ج 7 ص: 89.
(3) الذهبي: السير، ج 3 ص: 33. و البخاري: التاريخ الكبير، حققه قاسم الندوي، دار الفكر، بيروت، د ت، ج 5 ص: 29. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 1 ص: 210.
(4) الذهبي: السير، ج 3 ص: 320.