عليه و سلم )) [1] . و خبره هذا لا يصح إسنادا و لا متنا، فأما إسنادا فقد سبق أن بينا أن كتاب الإمامة و السياسة يفتقد إلى الإسناد الصحيح. و أما متنا ففيه خطأ كثير و صواب قليل، لأن الصحيح هو أن وجوه الصحابة من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار لم يكونوا مع علي، فبعضهم خرج إلى مكة، و غالبيتهم اعتزلت الفتنة كلية، فلم تكن مع علي و لا مع مخالفيه؛ فطلحة و الزبير خرجا إلى مكة للمطالبة بدم عثمان. و أما الباقون و على رأسهم: سعد بن أبي وقاص، و عبد الله بن عمر، و محمد بن مسلمة، و صهيب الرومي، و أسامة بن زيد، و أبو هريرة، و عبد الله بن سلام، و أبو موسى الأشعري، و عمران بن حصين، فهؤلاء هم جوه الصحابة وقد اعتزلوا الفتنة، و لا يُعرف أنه كان مع علي من المهاجرين السابقين إلا عمار بن ياسر [2] .
و قد رُوي أن عليا لما أراد الخروج من المدينة ندب أهلها إلى الخروج معه للقتال، فلم يُوافقوه و أبوا الخروج معه، فكلّم عبد الله ابن عمر شخصيا للخروج معه، فقال له ابن عمر: أنا رجل من المدينة. ثم كرر عليهم دعوته للسير معه عندما سمع بخروج أهل مكة إلى البصرة، فتثاقل عنه أكثرهم، و استجاب له ما بين: 4 - 7 من البدريين فقط [3] . فهذا الموقف من أهل المدينة هو اعتزال شبه جماعي للفتنة، فأين ما زعمه المؤلف من أن وجوه المهاجرين و الأنصار خرجوا مع علي؟!.
و أما الخبر الخامس فمفاده أنه لما خرج علي بجيشه من المدينة، وصلته رسالة من أخيه عقيل بن أبي طالب، فكان مما ذكره له فيها، أن أخبره بأنه لما كان في طريقه إلى مكة مر به عبد الله بن أبي سرح في نحو 40 راكبا من أبناء الطلقاء من بني أمية كانوا متوجين إلى معاوية، فكلمهم و ذمهم و خاصمهم. و بلغه أيضا أن بعض أتباع معاوية أغاروا على بعض الجهات من الجزيرة، فأفسدوا فيها و عادوا إلى الشام، فحزن عقيل لذلك و ظن أن ذلك حدث ربما لأن أنصار أخيه قد خذلوا عليا؛ ثم قال لأخيه: (( فاكتب إلي يابن أمي برأيك و أمرك، فإن كنت الموت تريد تحملتُ إليك ببني أخيك، و ولد أبيك، فعشنا ما عشت و متنا معك إذا مت، فوالله ما أحب أن أبقى بعدك، فوالله الأعز الأجل إن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هنيء و مريء، و لا نجيع ) ). فرد عليه أخوه علي بكتاب، كان مما قاله له فيه: (( و أما ما عرضت به من مسيرك إليّ ببنيك و بني أخيك، فلا حاجة لي في ذلك، فذرهم راشدا مهديا، فوالله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكتُ ... ) ) [4] .
(1) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 81.
(2) خالد كبير علال: الصحابة المعتزلون للفتنة، دار البلاغ، الجزائر، 2003، ص: 9 و ما بعدها.
(3) ابن كثير: المصدر السابق، ج 7 ص: 231، 234.
(4) الإمامة و السياسة، ج 1 ص: 83، 84.