الفصل الخامس
صدقه - صلى الله عليه وسلم - وأمانته، وحفظه للعهد، وبرّه ووفاؤه
الصدق والأمانة أعلى مظاهر العظمة النفسيّة، وهما ملتقى الفضائل النفسيّة كلّها ومجمعها، وفصّها وأسّها .. وأمّا الأمانة فقوامها: اعتدال الفطرة، وسموّ الهمّة، واتّزان الشخصيّة، وعفّة النفس، وتجرّدها عن سفساف الأمور والتعلّق بالدنيا، وحصر الاهتمام عليها، فلا عجب بعد ذلك أن تكون تلكما الصفتان أوّل لوازم حياة الرسل، وأعظم صفاتهم.
وحقيقة الصدقِ قوّة النفس ووقوفها مع الحقّ بتجرّد، ونصرته بكلّ ما أوتيت منْ قوّة، لا تحيد عَنْه ولا تتوارى، ولا تستثقل تكاليفه، ولا تتباطأ عنها، فهو عنوانها، فهي منه، وهو منها، لا تعرف سواه، ولا ترى وجودها ورفعتها إلاّ به ..
ومعلوم أَنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - افتتح دعوتَه إلى قومه باستنطاقهم عن موقفهم مِنْ صدقه: أيرونه صادقًا فيما يقول ويخبر، أم أنّهم عهدوا عليه أنّه لا يعدّ الكذب أمرًا ذا بال، فهو لا يتورّع عنه، ولا يأنف من اقترَافه.؟!
روى الشيخان والبلاذري عن ابن عباس، والشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنهم -، ومسلم عن قبيصة بن المخارق - رضي الله عنهم - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) } الشعراء، قام على الصفا فعلا أعلاها حجرًا ثمّ نادى: يا صباحاه.
فقالوا: من هذا؟ وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج يرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم إن