عبّاس.! من هؤلاء.؟ قال: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين، فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا! فقال له العبّاس:"ويحك يا أبا سفيان! إنّها النبوّة!"، قال: نعم، إذن.
إنّ قصّة إسلام أبي سُفيان مليئة بالعبر والدروس، وبخاصّة ما فيها من موقف النبيّ - صلى الله عليه وسلم - منه .. لقد كان موقف البشريّة العدل هو ما وقفه عمر بن الخطّاب، إذ استأذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في قتله، ولكنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المبعوث رحمةً للعالمين أبى عليه ذلك، وعندما التقى أبا سفيان هل أظهر له روح البشريّة، التي تشمت بخصمها في مثل هذه المواقف.؟ هل جمع له كبار أصحابه، ليريهم كيف تتمرّغ بالرغام كبرياء قريش في شخص أكبر زعمائها أبي سفيان.؟ هل ذكّره بعداوته لله ورسوله التي خبّ فيها وأوضع خلال عقدين من الزمن.؟! انظر إلى السموّ النبويّ الذي لا مطمح لبشرٍ بمثله، لقد طوى صفحًا عن كلّ ذلك، وتناسى الماضي المرير، الذي لا يمكن لأحدٍ أن ينساه، وقال له: (ويحك يا أبا سفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلاّ الله.؟) فدهش أبو سفيان، وكان ولا شكّ ينتظر كلامًا غير ذلك، فما كان منه إلاّ أن قال: بأبي أنتَ وأمّي! ما أحلمك وأوصلك وأكرمك! وكرّر هذه الجملة مرّة أخرى عندما دعاه إلى شهادة أنّ محمّدًا رسول الله، فكان هذا الموقف النبويّ الكريم، بسموّه عن كلّ اعتبارات الأرض والطين، كفيلًا باستلال كبرياء الجاهليّة وعنجهيّتها من نفس أبي سفيان، ليفيء إلى رحاب الحقّ، ويكون منذ اليوم جنديًّا من جنود الدعوة الأوفياء ..