المبحث الثالث
حُسنُ عِشرَتِه - صلى الله عليه وسلم - لأهلِ بيتِه
وأمّا حسن عشرته - صلى الله عليه وسلم - لنِّسَائهِ وأهل بيته فذلكَ ممّا تواتر من سيرته الشريفة وهديه، وتجلّى في كُلّ موقفٍ ومُناسبة، وحملَ لنا جمّ المعَاني وأجملَها، من الرحمة والرفق، والشفقَةِ وحسن الخلق، وسعة الصدر، وعظيمِ الوفاء والبرّ، وتقدير المشاعر، والتماس العذر.
والحديث عن علاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنسائه وأهل بيته واسع متشعّب، غنيّ بالمواقف والعبر .. تلتقي فيه الإنسانيّة السامية بالنبوّة الملهمة، والبشريّة الفطريّة بالرسالة الهادية .."إنّ الرسالة لم تنزع من قلبه عواطف البشر، ولم تجرّده من وجدانهم، ولا أبرأته ممّا يجوز عليهم، فيما عدا ما يتّصل بالنبوّة والرسالة .. لقد كان - صلى الله عليه وسلم - يسكن إلى زوجه، ويداعب أطفاله، ويعاني مثل ما يعانيه بنو آدم: من حبّ وكره، ورغبة وزهد، وخوف وأمل، وحنين واشتياق، ويجري عليه ما يجري على سائر البشر من تعب ويتم، وثكل ومرض وموت .. ولو شاء الله لعصم نبيّه - صلى الله عليه وسلم - من كلّ ذلك .. ولجعل حياته نعيمًا لا يعرف البؤس والابتلاء" [1] ، ولكنّ ذلك أوّل ما يختفي معه معنى التأسّي والاقتداء .. وهو من أعظم حقائق النبوّة والرسالة، وأهدافها ..
لقد كانت الزوجة تأتي بيت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معتزّة بشرف الزواج من النبيّ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ ما تكاد تدخل هذا البيت، وتلقى من فيه من الزوجات،
(1) ـ انظر"تراجم سيّدات بيت النبوّة"د. عائشة عبد الرحمن ص 156 بتصرّف وزيادة.