منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشاءت إرادة المولى عز وجل أن يرسل نبيه الخاتم في مكان كان من أكثر الأماكن على ظهر الأرض وحشة وقسوة، ولقوم كانوا من أكثر خلق الله شرا في أرضه، كانوا أصحاب جهل وجاهلية؛ يعبدون الأصنام، ويشربون الخمر، ويئدون البنات، ويتقاتلون عقودا من أجل شربة ماء أو نحلة طائشة أو هفوة صغيرة. ولم يكونوا أصحاب حضارة ولا أصحاب علم .. وسرت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بين هؤلاء الناس كما تسري النار في الهشيم؛ فأضحوا -بحمد من الله- أمة واحدة ذات دين قويم وخلق رفيع، وانتشرت هذه الدعوة حتى عمت مشرق الأرض ومغربها، ورحل عنهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا، ورضي الله عنهم ورضوا عنه، وقال لهم ربهم في محكم كتابه الكريم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) [المائدة:3] .
هذا ما كان من أمر الدين، أما أمور الدنيا فتكاد تكون كما هي لم يتغير فيها شيء، ولم يتبدل منذ جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجد عليها قومه إلى أن رحل عنهم.
جاءهم وهم يأكلون الثريد والتمر والبر والعسل، ويشربون حليب النوق والضأن، ويعيشون في بيوت من الشعر الحيواني والحجارة، ويحاربون بالسيف والرمح، ويركبون الدواب، ويتداوون بالكي والحجامة والعسل والحبة السوداء وألبان الإبل وأبوالها ودهن الحيوانات. ورحل عنهم وهم كما جاءهم لم يتغير في أمور معيشتهم شيء يذكر، إلا بعد أن فتح الله عليهم أركان المعمورة.