واعتباره عن الأدلّة التي يصدر عنها، ويستندُ إليها، وإذا تأيّد بالإجماع أصبح حجّة قطعيّة، لا يجوز لأحد الخروج عنه أو تجاوزه، كائنًا من كان، وتأتي حجّيّته بعد نصوص الوحيين الشريفين، وأمّا إذا لم يبلغ حدّ القطع في الدلالة، فللمجتهد حقّ مخالفته بما يستند إليه من الأدلّة الشرعيّة المعتبرة، وليس ذلك الحقّ لأيّ من الناس، ممّن هم ليسوا بأهل للاجتهاد والنظر في الأدلّة .. وهذا بخلاف ما يدّعيه بعض المعاصرين من إهدارٍ قيمة اجتهادات المجتهدين، وانتقاص مكانتها مهما بلغت قوّة أدلّتها، وفتح الباب على مصراعيه لإهمالها وتجاوزها، بحجّة أنّها أفهَام بشريّة تحتمل الخطأ والصواب، وقد اتّخذ ذلك بعض مرضى القلوب ذريعة إلى الخروج باجتهادات فاسدة شاذّة، لا تعرف حدودًا شرعيّة، ولا ضوابط علميّة، بتلك الحجّة تارة، وبحجّة التجديد تارة أخرى، والهدف من وراء ذلك كلّه: التفلّت من أحكام الشريعة، والتبرير لترك تحكيمها والاحتكام إليها في جميع جوانب الحياة.
يقول الإمام الشافعيّ رحمه الله في"الرسالة":".. فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه، ممّا تعبّدهم به، لما مضى من حكمه جلّ ثناؤه من وجوه، فمنها ما أبانه لخلقه"