فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 248

وأنعامُه، لأنّ العلمَ حياةُ القلوب مِن الجهل، ومصبَاح الأبصار من الظلم، يَبلغُ العبد به مَنازلَ الأخيار، والدرجةَ العليا في الدنيا والآخرة، والتفكّرُ فيه يَعدلُ الصيامَ، ومُدارستُه القيامَ، به تُوصَلُ الأرحامُ، ويُعرفُ الحلالُ مِن الحرام، وهو إمامُ العمل، والعملُ تابعُه، يُلهَمُه السعداءُ، ويحرمُه الأشقياءُ" [1] ."

وإذا كانَ تعلّم العلم لله تعالى خشية، كما يقول معاذ - رضي الله عنه -، فقد كان هو من أهل الخشيةِ الشديدة من ربّه سبحانه، ومن ذوي الوَجَل والشفقة، وهو الذي بكى لمّا حضره الموت، فقيل له: ما يبكيك؟ قال:"والله لا أبكي جزعًا من الموت، ولا دنيا أخلّفها بعدي، ولكنّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنّما هما قبضتان: فقبضة في النار، وقبضة في الجنّة) ، ولا أدري في أيّ القبضتين أكون.؟" [2] .

(1) ـ أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 239/، وابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله 1/ 55/، وانظر حياة الصحابة 3/ 159/، وما أعمق هذه الكلمات، وما أجمعها! وأحقّها بالشرح والبيان، واستجلاء ما فيها من الحقائق والمعاني للفرد والأمّة.

(2) ـ رواه الطبرانيّ، وانظر حياة الصحابة 3/ 34/، ولا يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنّما هما قبضتان .. الحديث شيء من الجبر، ونفي الاختيار، وإنّما معناه أنّ مآل العباد إمّا أن يكونوا إلى الجنّة، وإمّا أن يكونوا إلى النار بعد أن يكونوا قد اختار كلّ مكلّف فيهم بمحض إرادته الحرّة، سبيل الرشد أو الغي دون جبر أو إكراه، ولله الحجّة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، أي ألزمكم سبيل الهداية بلا اختيار ولا تكليف، ولكن هكذا قضت مشيئته سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت