لقد مرض بالإسهال، حتى وافته المنية، ليلة الجمعة، الرابع من جمادى الأولى، سنة تسع وسبعين وثمانمائة، وشهد الصلاة عليه السلطان سيف الدين الأشرف قايتباي، ثم دُفن بحوش كان أعده لنفسه وحوَّطه قبل موته بثلاثة أيام، بجوار سبيل التربة الأشرفية، كان هو يدفن به الغرباء المترددين إليه ونحوهم، وحزن الناس على موته حزنا شديدا، رحمه الله رحمة واسعة، وقد رثاه كثير من الشعراء منهم: الشهاب المنصوري الذي رثاه بمرثية قال فيها:
بكَتْ على الشيخ محيي الدين كافَيِجي ... عيونُنا بدموعٍ من دمِ المُهَجِ
كانتْ أساريرُ هذا الدَّهر مِن دُرَرٍ ... تُزْهَى فَبدل ذاك الدرَّ بالسَّبَجِ [1]
فكم نَفي بسماعٍ من مكارمِه ... فَقْرًا وقوَّم بالإعطاء من عِوَجِ
يا نورَ علمٍ أراه اليوم منطفئًا ... وكانتِ الناس تمشي منه في سُرُجِ
فلو رأيتَ الفتاوى وهي باكيةٌ ... رأيتَها من نجيع الدَّمع في لُجَجِ
ولو سَرَتْ بثناهُ عنه ريحُ صَبًا ... لاستنشقوا من ثناها أطيبَ الأَرَجِ
يا وَحْشَةَ العِلْمِ مِنْ فيهِ إذا اعتركتْ ... أبطاله فتوارَتْ في دُجَى الرَّهَجِ
لم يلحقوا شَأْوَ عِلْمٍ مِن خصائِصِهِ ... عَنّا ورتْبَتُه في أَرْفَعِ الدَّرَجِ
قد طالما كان يَقْرِينا ويُقْرئُنا ... في حالتيْه بوجهٍ منه مُبتهجِ
سَقْيًا له وكساهُ اللهُ نورَ سنًا ... مِن سُنْدُسٍ بيد الغفران مُنْتَسِجِ
(1) السبج: خرز أسود. الصحاح (سبج)