فالحاصل أن الفرس استطاعوا أن يخرجوا الروم من الشام وهرب هرقل بمن بقي معه ممن لم يقتل من الجنود إلى القسطنطينية، وعاث الفرس في أرض الروم فسادًا، وحاصروا هرقل في القسطنطينية حصارًا شهيرًا، فماذا صنع هرقل؟ كان هرقل من أهل الدهاء والخبرة والتجربة في الحروب، وكان له رأي وحصافة فأرسل إلى ملك الفرس الذي كان مقيمًا على حصاره، وقال له: نريد أن نقطع معك مصلحًا فاطلب ما شئت فماذا صنع ملك الفرص؟ طلب منه أمور كثيرة جدًا لو اجتمع الفرس والروم على أن يأتوا بها لم يستطيعوا، يعني بالغ في الشروط والمطالبات، فعرف هرقل ما لهذا الملك من العقل الضعيف والسذاجة فاستطاع بعد ذلك أن يخدعه خدعة سطرت في كتب التواريخ، وهي من أعجب الأحداث، وذلك أنه قال له: وافقتك على كل ما طلبت، وهي مبالغات لا يمكن أن يأتي بها أحد، هذه الشروط لا يمكن أن يوفرها ملك الروم ولا ملك الفرس لو اجتمعوا، فكيف خطر في عقل ملك الفرس أن هذا الملك يمكن فعلًا أن يحقق هذه الأشياء؟ يعني لم يطالبه بأمور معقولة، فقال له: وافقتك على ذلك جميعًا، ولكن أجعل لي فرصة ومجال أذهب إلى أطراف مملكتي فاستخرج الخزائن والدفائن من الكنوز من أجل أن أعطيك ما طلبت، فقال: لك ذلك، فخرج بجيش متوسط وتوجه مباشرة إلى مملكة فارس، وملك الفرس وجنوده يرابطون على أسوار القسطنطينية، فذهب إلى مملكة فارس وعاث نهبًا وسلبًا وقتلًا ودخل إيوان كسرى واستاق من نسائه، وأخذ ولد كسرى وحلق رأسه واستاقه معه، وأخذ من الجواهر والكنوز والذهب والحرير والأموال شيء لا يوصف، وذهب به إلى القسطنطينية، واستطاع أن يدخلها بحيلة وبخدعة تدل على قصور عقل ملك الفرس، استطاع أن يدخل ثم بعث له بهذه الأموال، وبعث له بولده قد قص ناصيته أو حلق رأسه، وقال: هذا ما طلبت، فجن جنونه، ولا يدري يذهب إلى مملكته ليرقع ذلك الخرق الذي فتق، أم أنه يبقى مرابطًا على أسوار القسطنطينية، وكان ذلك سببًا لانتصار الروم