فأقول: هذا الأمر يورث عللًا مستديمة، وعميقة الآثار في العقائد والأفكار، ويورث عللًا مستديمة في واقع الناس وفي حياتهم، في حربهم وفي سلمهم، في أبواب العلوم، وفي أبواب الاعتقادات، وفي غيرها من الأبواب؛ فلا بد من وضع حد وضابط لعله يحرك شيئًا في النفوس، فيكون عند الإنسان شيء من البصر الذي يميز به بين الأمور، ويزن به الأشياء، ولا يجعل سمعه وقلبه متقبلًا ومفتوحًا لكل ما يطرح من الحق والباطل، سواء كان ذلك مبالغًا فيه أو غير ذلك.
فلعلي أخرج معكم في هذه الليلة إلى هذه النتيجة فإن استطعنا أن نوصل هذه الفكرة إلى الأذهان، واستوعبتها القلوب أظن أننا قد حققنا نجاحًا، وأحرزنا هدفًا مهمًا يمكن أن يكون سببًا -بإذن الله -عز وجل- لتحقيق نجاح في العلوم والتلقي والأخذ والسماع وما أشبه ذلك بحيث يكون عند الإنسان ضابط وميزان يزن به الأمور.
لماذا يبالغ كثير من الناس فيما يذكرون؟ وفيما يصفون؟ لماذا تجري على ألسنتهم هذه المبالغات؟ ولربما رقموها وكتبوها؟
أقول: هذا له أسباب كثيرة أذكر منها:
أن محبة الأشياء ومحبة الأشخاص تعمي الإنسان، فتجعل هذا الإنسان يبالغ في الوصف، وكذلك الكراهية الشديدة تجعل الإنسان يبالغ أحيانًا في الذم والتحقير، فلا يصور الأمر على حقيقته الطبيعية، وهو يكون بذلك قد فعل جرمًا حيث إنه نقل صورة مشوهة غير حقيقة إلى الآخرين فسبب ذلك إرباكًا في تصوراتهم.
فأقول: محبه الأشخاص محبة الأشياء محبة الإنسان لطائفته ومذهبه ومتبوعه وشيخه تجعل هذا الإنسان يبالغ أحيانًا يبالغ في مدحه وفي الثناء عليه.
خذ مثالًا على ذلك: هذا يونس بن عبد الأعلى -رحمه الله- يقول: في وصف الإمام الشافعي -رحمه الله- يقول:"لو جمعت أمة لوسعهم عقل الشافعي"هذا الكلام وهذا الخبر يمر علينا كثيرًا في ترجمة الإمام الشافعي -رحمه الله- ولربما لم يتوقف عنده أحد منا؛ مع أن هذا الخبر ينبغي ألا يمرر.