وغالبًا -بل ودائمًا- ما يكون هؤلاء الذين يقعون في مثل هذه المشكلات إما تلقيًا وإما إلقاءً دائمًا يكون هؤلاء يعانون من مشلكة مصاحبة وهي قلة التثبت، فلو كان هذا الإنسان يتثبت مما يسمع ومما يقرأ يثبت فيما يخبر به وينقله لكان له شأن آخر.
بعد ذلك أذكر لكم بعض الأمور التي علها أن تكون بمثابة الضوابط التي تضبط الذهن، فحينما يسمع الإنسان الكلام، يعرض ما يسمع عبر هذه المصفاة فالبتالي لا يروج عليه -بإذن الله -عز وجل- كثير من ذلك فيما يقرأه ويسمعه أو يتلقاه بوجه من وجوه التلقي، فمن ذلك:
أننا لا بد أن نقيس الأمور الغائبة على الأمور الشاهدة والواقعة والحاضرة التي نعايشها ونراها, وهذا فيما عدا المعجزات وما يدخل ضمنها من كرامات الأولياء، وفيما عدا ذلك من الأمور فينبغي أن نقيس الغائب على الشاهد، فلا بد أن ثمة أمرًا مشتركًا وجامعًا يجمع بين الأمور الغائبة والأمور الشاهدة، فنعرف بذلك أن بعض الكلام هو من قبيل المبالغات.
خذ مثالًا على ذلك: المسعودي ذكر أن الذين أحصاهم موسى -صلى الله عليه وسلم- في التيه حينما تاهوا في سيناء من الرجال الذين يقدرون على حمل السلاح كانوا ستمائة ألف رجل، ومعلوم حسب ما يذكر في كتب التواريخ أن الذين دخلوا مع يعقوب -صلى الله عليه وسلم- إلى مصر في زمان يوسف -صلى الله عليه وسلم- كانوا قريبًا من السبعين حسبما يذكره المؤرخون، وهذا العدد الذي دخل في مصر كان من نسلهم بنو إسرائيل، فالمدة التي كانت بين دخول الإسرائيليين إلى أرض مصر، هذه المدة ما بين دخلوهم وما بين خروج موسى -صلى الله عليه وسلم- كانت قريبًا من عشرين ومائتين سنة، فهذه المدة عادة لا يحصل فيها التكاثر إلى هذا الحد، بحيث يكون عدد الذين يقدرون على حمل السلاح فقط ستمائة ألف رجل، لمدة مائتين وعشرين سنة، فهذا في مجال العادات لا يقع ولا يكون هذا رقم مبالغ فيه، والله تعالى أعلم.