أهل الصعيد، طبعًا هذه القصة متى حصلت؟ حصلت بعد عهد المأمون وفي عهد المأمون أهل الصعيد كانوا بأي لغة يتكلمون؟ كانوا يتكلمون باللغة العربية، فكيف فهموا هذا الكلام وترجموه بهذه الترجمة؟! فلا شك أن هذا من الأساطير.
من أسباب هذه المبالغات:
البساطة أحيانًا، وإن شئت أن تقول: السذاجة، فإن الإنسان إذا كان بسيطًا في تفكيره وادراكه، إذا كان ساذجًا في تصوره فإنه تتضخم الأمور الصغيرة أو الأمور العادية في نظره؛ وبالتالي فإنه يبالغ في وصفها وإطرائها وذكرها وتبجيلها، كما قال القائل:
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائمُ
ج
فهذا الإنسان البسيط، هذا الإنسان الصغير إذا رأى إنسانًا يحفظ حديثًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لربما أوقع ذلك في نفسه وهمًا أن هذا الإنسان قد أتى بما لم يأتِ به الأوائل، وهكذا إذا رأى شيئًا أعجبه فإن هذا الإنسان نظرًا لقصور فهمه وقلة تجربته وضعف إدراكه يكبر هذه الأمور الصغيره فتنتفش في ذهنه ثم يعبر عنها بالتهاويل، ولربما خلط مع كلامه لونًا من ألوان التعبيرات المصاحبة للكلام أي أنه يبدي ذلك بنظرة تنبيء أيضًا عن التعظيم والتضخيم
فأقول: هذه مشكلة وإذا واجهت هذه المشكلة قومًا من البسطاء، أو أنها وقعت في بيئة ساذجة، فإن هذه تجد أرضًا خصبة تترعرع فيه وتنمو، ولا تسأل عن حال هذه النبتة في تلك الأرض التي زرعت فيها، أو بذرت فيها، ولكن هذا المتكلم لو تكلم أمام عقلاء ورجال يزنون الكلام بميزانه الصحيح، ويدققون في ألفاظ المتكلمين فإنه لا يستطيع بحال من الأحوال أن يروج ذلك عليهم، بل إنه سيُعترض في كلامه لأول وهلة، ثم بعد ذلك لا يستطيع أن يواصل بنفس الطريقة فما عليه إلا أن يبحث عن طريقة أخرى يتحفظ فيها في الكلام، ويتحفظ فيها في الوصف فلا يذكر شيء من هذه المبالغات.