ونستفيد من قصر النهار ومن احتراق الأرض بالثلج ومن يبوسة الأشجار وانقطاع الثمار ونحو ذلك من المواعظ تذكُّرَ الآخرة والاستعداد لها، فإنها الدار الباقية، وهي دار الإقامة ودار الحصاد ودار الجزاء، وهي التي لا دار بعدها، وهي الدار التي يجب أن نغتنم الدنيا من أجلها والشباب من أجلها والصحة من أجلها والغنى من أجلها، وأن نجعلها همنا ليكون سعينا مشكورًا وتجارتنا رابحة لن تبور، يقول الله - تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: 19] ، ويقول: (( ومن كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ) ). ونستفيد هذا من طول الليل الذي يذكرنا القبر، ومن شدة البرد الذي يذكرنا جهنم، فإن من عذابها ما هو بارد يهلك ويسمى الزمهرير والغساق، قال - تعالى: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: 57] ، وقال: (( اشتكت النار قالت: يا رب، أكل بعضي بعضا ـ أي: حطم بعضي بعضا ـ، فأذن الله لها بنفسين: نفس في الصيف وهو شدة الحر، ونفس في الشتاء وهو شدة البرد ) )، ومن العلل والأسقام التي تذكرنا الموت.
ومن المواعظ تذكر نعمة الله على العبد، فإن نعمه لا تعد ولا تحصى، لا في البر ولا في البحر ولا في الجو، ولا في الأنفس والولد والمال والليل والنهار وفي كل شيء، وقد وعد بالمزيد لمن شكره، ووعد بالرضوان ووعد بالجنة. ونستفيد هذا من دفع البرد بالطعام والشراب وتدفئة البدن بالألبسة وبالأدفئة الكهربائية والغازية والنارية ونحو ذلك.
ومن المواعظ السبق إلى الخيرات باغتنام النهار بالصيام والليل بالقيام والمال بالنفقة والوقت بالذكر والقراءة والدعوة ونحو ذلك. ونستفيد ذلك من قصر النهار، فيصومه العبد لقلة ساعاته وعدم حاجة الجسم إلى الطعام والشراب، والصيام في الشتاء الغنيمة الباردة، والصيام جنة من النار ومن المعاصي ومن الشهوات، وهو باب في الجنة وسعادة في الدنيا والآخرة. ونستفيده من طول الليل