ومن المواعظ الخوف من الله تعالى؛ لأنه الذي يفعل ما يريد، ويقول لشيء: كن فيكون، وله الأمر من قبل ومن بعد، وله مقاليد السموات والأرض، وأزِمَّة أمور الخلق بيده، والخوف نوع من أنواع العبادة لا يجوز صرفه إلا لله وحده، قال - تعالى: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 175] . وقد تكفل الله للخائفين منه بجنتين فقال - تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: 46] ، وتكفل للخائف أن يؤمنه يوم القيامة أمنا لا ينقطع، يقول - تعالى -في الحديث القدسي: (( وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي بين خوفين ولا أمنين، من خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، ومن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ) ). ونستفيد هذا من سماع الصواعق والرعد، ومن رؤية البرق، ومن كثافة السحب ونزول المطر، ومن شدة الهواء، ونحو ذلك، فإن الله أهلك عادًا بالريح، وثمود بالصاعقة، ومدين بالصيحة، وقوم فرعون بالغرق، وهزم قريش بالريح، والله غالب على أمره.
ومن المواعظ معرفة حقيقة الدنيا من أنها قصيرة، فما كأنها إلا ظل شجرة أو سحابة صيف أو دار لها بابان يدخل الإنسان من أحدهما ويخرج من الآخر، وما هي في الآخرة إلا كصفر وكمن غمس أصبعه في البحر ثم أخرجها. وعلى المسلم إذا عرف حقيقتها أن يزهد فيها؛ لأنها متاع زائل ومتاع الغرور، ولأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولأنها أهون على الله من الميتة على أهلها، ولأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا، وليس للإنسان فيها إلا ما أكل فأفنى ولبس فأبلى وتصدق فأبقى، ولذا قال الله - تعالى: فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: 33] ، وقال: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد: 20] .